داخل مخبأ «تيتو» السري.. «ملاذ النووي» يتحول لمزار
أحد أكثر أسرار الحرب الباردة غموضاً يستعيد حضوره من جديد، فما هو؟
يأتي ذلك فيما تعود التهديدات النووية إلى واجهة المشهد الدولي على وقع الحرب في أوكرانيا والتلميحات المتكررة الصادرة عن الكرملين بشأن احتمال اندلاع مواجهة نووية في أوروبا.
ففي أعماق جبال البوسنة والهرسك، بالقرب من بلدة كونيتش، يقبع "مخبأ تيتو" النووي، الذي شُيّد في ذروة الصراع بين الشرق والغرب، ليكون الملاذ الأخير لقيادة يوغوسلافيا في حال اندلاع حرب ذرية شاملة.
لكنه تحول اليوم إلى مقصد سياحي وثقافي يستقطب آلاف الزوار سنوياً، وفقا لموقع رايو أوروبا الحرة.
وللوهلة الأولى، لا يبدو الموقع أكثر من منزل ريفي معزول بين مرتفعات الهرسك، لكن خلف هذه الواجهة المتواضعة يختبئ أحد أعقد المشاريع العسكرية في القرن العشرين.
باب فولاذي سري يقود إلى شبكة أنفاق محفورة في قلب الجبل، تمتد على عمق يصل إلى نحو 280 متراً داخل الصخور، في حين يبلغ طول المجمع أكثر من 200 متر، وقد صُمم بالكامل على هيئة حدوة حصان تتشابك ممراتها كالمتاهة.
وكان الاسم الرسمي للمنشأة هو "قيادة الحرب الذرية"، فيما اشتهرت لاحقاً باسم "مخبأ تيتو" نسبة إلى الزعيم اليوغوسلافي المارشال جوزيب بروز تيتو، الذي أراد إنشاء مركز قيادة قادر على إدارة الدولة حتى في حال تعرضها لهجوم نووي شامل.
هاجس الحرب العالمية الثالثة
بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، عاش العالم على وقع سباق تسلح نووي غير مسبوق بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، فيما انتهجت يوغوسلافيا بقيادة تيتو سياسة عدم الانحياز، لكنها بقيت تخشى أن تتحول إلى ساحة مواجهة بين القوتين العظميين.
وكان تيتو مقتنعاً بأن أي حرب عالمية جديدة قد تُحسم خلال ساعات بالأسلحة النووية، لذلك أصدر عام 1953 أوامره بإنشاء ملجأ سري يوفر الحماية له ولقيادة الدولة إذا اندلعت مواجهة ذرية، سواء جاءت الضربة من الشرق أو الغرب.
26 عاماً من البناء... وكلفة فلكية
استغرقت أعمال إنشاء الملجأ ستة وعشرين عاماً كاملة، إذ بدأت في مارس/آذار 1953 ولم تنته إلا في سبتمبر/أيلول 1979، أي قبل أقل من عام على وفاة تيتو عام 1980، ما يرجح أنه لم تتح له فرصة استخدام المنشأة أو حتى رؤيتها مكتملة.
بلغت تكلفة المشروع ما بين 4.5 و4.6 مليار دولار آنذاك، وهو رقم هائل بالنسبة لدولة نامية في تلك الحقبة، ويعادل اليوم أكثر من 20 مليار دولار وفقاً للتقديرات الحديثة، ليصبح واحداً من أغلى المشاريع العسكرية التي شهدتها يوغوسلافيا.
وتشير بعض الروايات إلى أن المشروع شهد حوادث عمل مميتة بشكل متكرر، حتى إن بعض المصادر وصفته بأنه تحول إلى "مقبرة صامتة" لعدد من العمال الذين قضوا في أثناء عمليات الحفر والإنشاء.
سرية غير مسبوقة
أحيط المشروع بسرية تكاد تكون أسطورية، فقد مُنع توظيف أي عمال من المنطقة المحيطة، في حين كان العمال القادمون من أماكن أخرى يُنقلون إلى موقع البناء معصوبي الأعين أو داخل مركبات مغلقة لا نوافذ فيها، ولا تُزال العصابات عن أعينهم إلا بعد دخولهم إلى المجمع.
كما لم يكن يعلم بوجود الملجأ بعد اكتماله سوى عدد محدود للغاية من العسكريين، وتشير بعض الروايات إلى أن عدد المطلعين على موقعه لم يتجاوز ستة عشر شخصاً بين جنرالات وجنود أوكلت إليهم مهمة حراسته، بعد أن أقسموا جميعاً على كتمان السر.
مدينة متكاملة تحت الصخور
لم يكن الملجأ مجرد مخزن للطوارئ، بل مدينة متكاملة تحت الأرض صُممت لاستقبال نحو 350 شخصاً، بينهم تيتو وأعضاء الحكومة وكبار قادة الجمهوريات الست التي كانت تشكل يوغوسلافيا.
وضم المجمع مكاتب للإدارة، وقاعات للاجتماعات، وغرف عمليات، ومهاجع واسعة، ومطبخاً ومستشفى صغيراً، إضافة إلى جناح خاص بتيتو، فضلاً عن مخازن ضخمة للغذاء والوقود.
كما زُود بمنظومة متكاملة من مصادر المياه الجوفية، ومولدات كهربائية احتياطية، وأنظمة متطورة لتنقية الهواء، وشبكات اتصالات عسكرية مشفرة، بما يسمح لسكانه بالبقاء معزولين عن العالم الخارجي لمدة تصل إلى ستة أشهر دون الحاجة إلى أي إمدادات خارجية.
حصن قادر على مواجهة الانفجار النووي
اختير موقع الملجأ داخل وادٍ تحيط به الجبال بسبب صلابتها وقدرتها على امتصاص موجات الانفجارات، فيما صُممت المنشأة لتحمل انفجاراً نووياً بقوة تصل إلى 20 كيلوطنا، وهي قوة تفوق القنبلة التي دمرت مدينة هيروشيما اليابانية عام 1945.
أما الأبواب الفولاذية العملاقة، التي تجاوزت سماكة بعضها متراً كاملاً، فقد صُممت لعزل المجمع بالكامل عن العالم الخارجي، ومنع تسرب الإشعاعات أو موجات الانفجار إلى داخله.
وظل الملجأ سرياً حتى انهيار يوغوسلافيا واندلاع حرب البوسنة مطلع تسعينيات القرن الماضي.
وفي مايو/أيار 1992، أصدر قادة الجيش اليوغوسلافي أوامر بتفجير المنشأة قبل انسحابهم، لمنع وقوعها في أيدي القوات البوسنية.
لكن الكولونيل شريف غرابوفيتش، الذي كان مسؤولاً عن حراسة الموقع لسنوات، اتخذ قراراً غير متوقع، إذ قام سراً بقطع الكابلات الموصولة بأطنان المتفجرات، وأفشل عملية التدمير.
وقال الضابط المتقاعد لاحقاً في تصريحات إعلامية: "لم أستطع أن أدمر المكان الذي أمضيت فيه أجمل سنوات حياتي، وأنسف جهد أجيال كاملة لمجرد تنفيذ أوامر قادة فقدوا رشدهم".
وبفضل قراره، نجا الملجأ من الدمار، ليبقى واحداً من أكثر منشآت الحرب الباردة اكتمالاً حتى اليوم.
من قاعدة عسكرية إلى متحف للفنون
بعد انتهاء الحرب، بقي الموقع مغلقاً لسنوات قبل أن يخضع لإدارة السلطات في البوسنة والهرسك، ثم تحول عام 2011 إلى فضاء ثقافي يستضيف معرضاً دائماً للفنون المعاصرة، حيث تتجاور الأعمال الفنية الحديثة مع الأثاث الأصلي وغرف القيادة وأجهزة الاتصالات التي بقيت على حالها، وكأن الزمن توقف داخل الجبل.
وتحول المكان إلى كبسولة زمنية تستحضر تفاصيل الحقبة الاشتراكية والحرب الباردة، دون أن تفقد هويته العسكرية التي ما تزال واضحة في كل زاوية من زواياه.