«الصبر الاستراتيجي».. خيار الصين في مواجهة سياسات ترامب
منذ عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للبيت الأبيض، سادت حالة من الحذر وسط مخاوف بشأن سياسته الخارجية.
وأثارت سياسات ترامب في فنزويلا وغرينلاند وأيضا إيران، نقاشات واسعة حول احتمال نشوب توترات بين الولايات المتحدة والصين بسبب تداخل مناطق النفوذ في أمريكا اللاتينية والشرق الأوسط والقطب الشمالي.
إلا أن بكين اختارت حتى الآن نهجًا يتسم بالهدوء وضبط النفس، حيث فضلت ما يمكن وصفه بـ"الصبر الاستراتيجي" بدلًا من "المواجهة المباشرة"، وذلك وفقا لما ذكره موقع "ريسبونسيبل ستايت كرافت".
ومع بداية عام 2026، انصب اهتمام القيادة الصينية بشكل أساسي على القضايا الداخلية، وفي مقدمتها ضمان انطلاقة قوية للخطة الخمسية الخامسة عشرة، ومواصلة حملة مكافحة الفساد، خاصة داخل المؤسسة العسكرية.
وكشفت التحقيقات الأخيرة مع أعضاء بارزين في اللجنة العسكرية المركزية، عن أن الشأن الداخلي يمثل أولوية أكبر من الانخراط في أزمات دولية بعيدة جغرافيًا عن آسيا.
وتميل الصين إلى التصرف بحزم عندما يتعلق الأمر بقضايا تعتبرها جوهرية لأمنها القومي وسيادتها، مثل تايوان وبحر الصين الجنوبي أما القضايا الواقعة خارج محيطها الإقليمي المباشر، فعادة ما تكون بكين أكثر تحفظًا.
ويعود ذلك النهج، جزئيًا، إلى أن المكاسب المحتملة من التدخل في أزمات مثل فنزويلا أو إيران محدودة، فرغم الشراكات الاستراتيجية التي تربط الصين بكاراكاس وطهران إلا أنها لا تعني بالضرورة استعداد بكين لتحمل كلفة سياسية أو عسكرية عالية دعماً لهما.
وعلى سبيل المثال، كانت العلاقات الاقتصادية بين الصين وفنزويلا قد بدأت بالفتور قبل إقدام الولايات المتحدة على اعتقال الرئيس السابق نيكولاس مادورو، وهو ما يقلل من دوافع الصين للتدخل الفعلي.
كما أن الهدنة المؤقتة التي تم التوصل إليها خلال القمة التي جمعت ترامب مع الرئيس الصيني شي جين بينغ في بوسان العام الماضي، لعبت دورًا مهمًا في تفسير الموقف الصيني لأنها تجعل من غير المرجح أن تتخذ بكين خطوات تصعيدية ضد الولايات المتحدة في ملفات لا تندرج ضمن أجندتهما الثنائية المباشرة.
وفي الوقت نفسه، ترى الصين في التوتر بين واشنطن وحلفائها التقليديين فرصة استراتيجية، فمع انشغال الولايات المتحدة بأزمات متعددة، تعمل بكين على تعزيز علاقاتها الاقتصادية والدبلوماسية مع دول أخرى، مثل كوريا الجنوبية وكندا.
وحققت الصين أيضا تقدمًا ملحوظًا مع الاتحاد الأوروبي في ملف السيارات الكهربائية، مستفيدة من الخلافات عبر الأطلسي على خلفية أزمة غرينلاند.
بالتوازي مع ذلك، تواصل الصين تنفيذ سياسات تهدف إلى تعزيز الاستهلاك المحلي وتحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الذاتي الاقتصادي.
من جهة أخرى، فإن التزام الصين المعلن بمبادئ "التعايش السلمي الخمسة"، هو أحد العوامل الأساسية التي تفسر نهجها المتحفظ.
وشكلت هذه المبادئ حجر الأساس لسياستها الخارجية منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية ومن بينها مبدأ "عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول" والذي يحد من قدرة الصين على استخدام أدوات عسكرية أو سياسية مباشرة للتأثير في أزمات داخلية لدول أخرى، حتى وإن كانت شريكة لها.
وفي ضوء هذا المبدأ تفضل تفضل الصين انتظار استقرار الأوضاع ثم الانخراط في مرحلة ما بعد الأزمة وذلك بدلا من التدخل المباشر.
ولا تتردد الصين في استخدام أدوات الضغط الاقتصادي والدعائي فيما تعتبره خطوطًا حمراء، مثل علاقاتها مع اليابان على خلفية ملف تايوان، حيث استخدمت قيودًا تجارية وتحذيرات سفر وحملات إعلامية.
لكن هذه الأدوات لا يتم استخدامها إلا في سياق علاقات ثنائية مباشرة أو في قضايا تمس مصالحها الأساسية، وليس في أزمات دول ثالثة بعيدة عن نطاق نفوذها الحيوي.
ورغم قوتها الاقتصادية وتطورها في ما يُعرف بـ"تكتيكات المنطقة الرمادية"، فإن الصين لا تمتلك تكافؤًا عسكريًا مع الولايات المتحدة يخولها لعب دور "شرطي العالم" لذا فهي لا ترغب، ولا تستطيع حاليا تحمل مسؤوليات أمنية عالمية واسعة.
ومع ذلك فإن استمرار تآكل النظام الدولي قد يضع الصين أمام اختبار صعب فمع تصاعد التنافس بين القوى الكبرى، قد تجد بكين نفسها مضطرة في المستقبل إلى إعادة تقييم درجة ضبط النفس التي تمارسها، وربما توسيع نفوذها العالمي بوسائل أكثر حزماً.
أخيرا، تفضل الصين، في الوقت الراهن، التمسك بخطاب احترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة ومبادئ التعايش السلمي، بدلا من تبني منطق القوة لكن هذا الموقف يظل مشروطًا فإذا قررت الولايات المتحدة تحويل تركيزها إلى آسيا، سواء عبر تصعيد التوترات مع اليابان أو التدخل المباشر في ملف تايوان، فإن الحسابات الاستراتيجية الصينية قد تتغير بشكل جذري.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuODQg جزيرة ام اند امز