ترامب و«نزيف الشعبية».. إرث السياسة قبل حسابات الصناديق
يتصرف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وكأنه لا يهتم بشعبيته، في توجه يرجعه مراقبون لاهتمام الرئيس الأمريكي بإرثه السياسي أكثر من حسابات الانتخابات.
وبحسب مجلة "نيوزويك" الأمريكية، شهدت الأسابيع الأخيرة تراجعا حادا في شعبية الرئيس الأمريكي لتنخفض إلى أقل من 40% وسط مخاوف اقتصادية وتصعيد عسكري، واتهامات بنقض وعوده الانتخابية الأساسية.
وأظهر استطلاع رأي أجرته جامعة "كوينيبياك" أن نسبة تأييد ترامب بلغت أدنى مستوياتها بولايته الثانية، وفي استطلاع أجرته "رويترز/إيبسوس"، بلغت نسبة تأييد الرئيس الأمريكي 39%.
كما بلغت نسبة تأييد ترامب في استطلاع شبكة "إن بي سي نيوز" 44%، و43% في استطلاع شبكة "فوكس نيوز" وبشكل عام تتجاوز نسبة عدم التأييد له 55% في جميع الاستطلاعات.
"لا يكترث"
ومع ذلك، اتخذ ترامب قرارات لها أضرارها السياسية من الحرب في إيران إلى ارتفاع الأسعار، وتصعيد سياسات الهجرة وهو أمر يجد المراقبون السياسيون صعوبة في تفسيره، وذلك وفقا للمجلة الأمريكية.
وفي حلقة بودكاست، اعتبرت سارة لونغويل، ناشرة موقع "ذا بولوارك" المحافظ، أن القواعد التقليدية لم تعد تنطبق على الرئيس.
وقالت "ترامب لا يكترث لعرض حججه على الشعب الأمريكي.. لا يكترث لآرائنا.. ولا حتى لنتائج استطلاعات الرأي.. لقد فاز بالفعل".
وأضافت أن العقبات التي تعرقل ترشحه لولاية ثالثة جعلته يتحرر من الحسابات السياسية.
وفي مقابلة حديثة مع صحيفة "نيويورك بوست"، قال ترامب ردًا على سؤال حول انخفاض نسبة تأييد الحرب على إيران: "أعتقد أن استطلاعات الرأي جيدة جدًا، لكنني لا أهتم بها.. علي أن أفعل الصواب.. علي أن أفعل الصواب.. كان ينبغي فعل ذلك منذ زمن طويل".
وفي مقابلات مع "نيوزويك"، أكد عدد من الاستراتيجيين الجمهوريين هذا الأمر، لكنهم قدموا تفسيرات أكثر تفاؤلاً لعدم اهتمام ترامب الواضح بنسب التأييد فمثلا، قال أليكس باتون "من خلال مراقبة تصرفاته، يبدو أن الرقم الوحيد الذي يهتم به حقًا هو ارتفاع عوائد السندات".
وأضاف: "تشير تصرفات الرئيس ترامب إلى أنه لا يكترث إطلاقًا بنسب تأييده وكيف يمكن أن تؤثر على الحزب الجمهوري لاحقًا".
وقدم مات كلينك إطارًا مختلفًا فقال "لم يكن لنسبة تأييد دونالد ترامب الشخصية أي تأثير على نجاحه أو فشله الانتخابي".
واعتبر أن "قوة ترامب تكمن في نجاحه في معالجة القضايا ذات الأولوية للشعب الأمريكي مثل إغلاق الحدود، والتقدم في ترحيل المهاجرين غير النظاميين، وخفض معدلات الجريمة".
استعداد؟
ومع ذلك، أظهر ترامب أحيانًا استعدادًا لتغيير مساره عندما تنقسم قاعدته الشعبية، ففي وقت سابق من الشهر الجاري، أقال وزيرة الأمن الداخلي كريستي نويم بعدما أثارت أساليبها المتشددة في إنفاذ قوانين الهجرة ردود فعل غاضبة.
ورغم إشادة ترامب العلنية بنويم وتأكيده أن إقالتها مرتبطة بمخاوف إدارية، إلا أن أداء الوزيرة السابقة تزامن مع انخفاض كبير في نسبة تأييده بشأن الهجرة.
كما بدأت الإدارة أيضًا في التركيز على قضايا القدرة على تحمل التكاليف وتكاليف المعيشة، وهي مجالات أظهرت استطلاعات الرأي باستمرار ضعفًا فيها.
وقال باتون "عندما يصبح أمر ما عبئًا على الأجندة العامة، يكون ترامب على استعداد للتعديل، ولكن فقط عندما يُهدد الرسالة الأساسية".
وأكد كلينك أن ترامب والقيادة الجمهورية يركزون على انتخابات التجديد النصفي الخريف المقبل وسط توقعات بأن يخسر الحزب حوالي 22 مقعدًا في مجلس النواب.
ومنذ توليه منصبه، شن ترامب حملات عسكرية ودبلوماسية في فنزويلا وإيران وغيرهما في تناقض مع أجندة "أمريكا أولًا" التي روج لها لسنوات خلال حملته الانتخابية.
إرث ترامب
ويرى بعض المحللين أن سعي ترامب وراء مبادرات السياسة الخارجية يشير أيضًا إلى تحوّل نحو بناء إرثه.
وقال كلينك "بما أن ترامب لا يستطيع الترشح لإعادة انتخابه، فإنه ينظر إلى إرثه.. حاليًا، يتمثل هذا الإرث في كونه شخصًا حاول حل بعض أصعب مشاكل السياسة الخارجية في العالم، وإنعاش اقتصاد دمره الديمقراطيون".
ويمثل التركيز على الإرث السياسي والابتعاد عن الحسابات الانتخابية تحولا في ولاية ترامب الثانية عن ولايته الأولى التي كان يشير دائما خلالها إلى نسب تأييده.
ومع ذلك، لا يتفق جميع المراقبين على أن ترامب غير مهتم تمامًا بنسب التأييد، حيث قال كارتر رين وهو خبير استراتيجي مخضرم في الحزب الجمهوري، إن الرئيس يولي اهتمامًا بالغًا بمعيار واحد على وجه الخصوص: مكانته لدى قاعدته الشعبية.
وأوضح رين: "أعتقد أن ترامب في جوهره شخصية مشهورة، وعندما ينظر إلى العالم السياسي بعيون المشاهير، فإن قاعدته الشعبية هي ما يهمه أكثر من أي شيء آخر".
وميز رين بين نسبة تأييد ترامب الإجمالية ومكانته لدى مؤيديه الأساسيين، مضيفا "إذا قام الرئيس بعمل لا يحظى بشعبية لدى قاعدته الشعبية، فيمكن القول إنه، بما أن ولايته محددة المدة، لا يكترث لنسب التأييد الشعبي. لكنه لم يفعل ذلك بعد".
ويُضفي الوضع الاقتصادي الراهن مزيداً من التعقيد على هذه الحسابات، فبينما انخفض التضخم عن ذروته في عام 2022، لا تزال أسعار الطاقة مرتفعة، وتستمر المخاوف بشأن القدرة على تحمل التكاليف في استطلاعات الرأي.
وتشير النظرية السياسية التقليدية إلى أن الرئيس الذي يحظى بنسب تأييد منخفضة فيما يتعلق بالاقتصاد سيتراجع عن التدخلات الخارجية المثيرة للجدل، لكن ترامب يفعل العكس تماماً.