ترامب وأردوغان.. دبلوماسية الهاتف تعزز حضور «الناتو» وتنعش آمال أنقرة الدفاعية
وجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انتقادات لاذعة وسخرية إلى العديد من نظرائه الأوروبيين الذين يُتوقع حضورهم قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) الأسبوع المقبل في تركيا.
إلا أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان نجح، مستفيدًا من علاقته الوثيقة بترامب، في ضمان حضوره إلى القمة التي تستضيفها أنقرة، وهي زيارة قد تحمل معها أيضًا «هدية» كبيرة تتعلق بقطاع الدفاع التركي، بحسب وكالة «أسوشيتد برس».
وقال ترامب الأسبوع الماضي: «لم أكن لأذهب من أجل معظم الناس، لكنه اتصل بي وقال: من فضلك، القمة في تركيا، ويجب أن تكون هناك، فالولايات المتحدة يجب أن تكون حاضرة. لذلك سأذهب احترامًا للرئيس أردوغان».
وقد مكّن هذا الاحترام أردوغان من تجنيب الحلف حالة من الارتباك كانت ستنجم عن غياب ترامب، خصوصًا في وقت يواصل فيه الرئيس الجمهوري التلويح بسحب القوات الأمريكية من أوروبا وتقليص دور واشنطن داخل الناتو، وهو ما يثير قلق الحلفاء.
ولطالما أشاد ترامب بأردوغان، واصفًا إياه بأنه «قائد استثنائي»، فيما واصل في المقابل توبيخ بقية أعضاء الناتو بسبب ضعف إنفاقهم الدفاعي، معتبرًا أن التعهد الذي قُدم العام الماضي بزيادة الإنفاق الجماعي يمثل أحد أبرز إنجازاته الشخصية. ومؤخرًا، دخل في خلافات مع عدد من أعضاء الحلف بسبب عدم دعمهم حملته العسكرية ضد إيران.
لكن ترامب لم يكتفِ بتأكيد حضوره، بل ألمح أيضًا إلى إمكانية الإعلان خلال زيارته عن قرارات تتعلق بمحركات الطائرات المقاتلة، وربما إعادة فتح الباب أمام بيع مقاتلات F-35 لتركيا، وهي الصفقة التي ظلت مجمدة لسنوات بسبب تقارب أنقرة مع موسكو.
إعجاب ترامب بالقادة الأقوياء
ولطالما عُرف ترامب بإعجابه بالقادة أصحاب القبضة القوية، وهو ما جعله ينظر بإيجابية إلى أردوغان، الذي رسّخ نفوذه في تركيا أولًا كرئيس للوزراء، ثم كرئيس للجمهورية، حيث يمضي اليوم عامه الثالث عشر في المنصب.
وقال فيليب غوردون، مستشار الأمن القومي السابق لنائبة الرئيس السابقة كامالا هاريس: «علاقته بأردوغان، وهي علاقة قوية بالفعل، تنسجم مع نمط واضح في تفضيلاته. فقد لوحظ مرارًا أنه يقيم علاقات أفضل مع الخصوم والزعماء الأقوياء، وغالبًا ما يتحدث عنهم بإيجابية أكبر مما يفعل مع الحلفاء».
وأضاف غوردون، الباحث حاليًا في معهد بروكينغز: «أردوغان يستفيد من هذه العلاقة إلى أقصى حد».
رهان على عودة ترامب
ومن المتوقع أن يعقد ترامب لقاءً ثنائيًا مع أردوغان على هامش قمة الناتو، ليصبح أول رئيس أمريكي يزور تركيا منذ زيارة الرئيس الديمقراطي باراك أوباما عام 2015.
وعلى النقيض من ذلك، حافظ الرئيس السابق جو بايدن على مسافة واضحة مع أردوغان بسبب ما اعتبره تراجعًا ديمقراطيًا في تركيا، إلى جانب علاقاتها الوثيقة مع روسيا.
ويرى سونر تشاغابتاي، الباحث في معهد واشنطن، أن العلاقة الشخصية بين ترامب وأردوغان «ازدهرت» خلال الولاية الأولى لترامب، موضحًا أنه عندما وجّه بايدن دعوة لأردوغان عام 2024 لزيارة الولايات المتحدة بعد موافقة تركيا على انضمام فنلندا والسويد إلى الناتو، اختار الرئيس التركي عدم تلبية الدعوة.
وقال تشاغابتاي: «كانت تلك رسالة من أردوغان إلى ترامب مفادها: أنت على الأرجح ستفوز بالانتخابات. وأعتقد أن ترامب اعتبر ذلك لفتة كبيرة».
انفراجة في صفقات الطائرات
وخلال لقاء جمعه الأسبوع الماضي بالأمين العام للناتو مارك روته، سأله أحد الصحفيين إن كان يحمل «حقيبة هدايا كبيرة لأردوغان»، في إشارة إلى طلب تركيا الحصول على محركات F-110 ومقاتلات F-35.
ورد ترامب قائلًا: «نعم... أعتقد ذلك. ربما سأقوم بشيء سيجعله سعيدًا جدًا».
وكان ترامب قد ألمح أيضًا في سبتمبر/أيلول الماضي إلى أن الولايات المتحدة قد تستأنف قريبًا بيع مقاتلات F-35 لتركيا.
وكانت أنقرة قد استُبعدت من برنامج المقاتلة عام 2019 عقب شرائها منظومة الدفاع الجوي الروسية (إس 400)، إذ خشيت واشنطن من أن يسمح تشغيل المنظومة الروسية لموسكو بالحصول على معلومات حساسة حول قدرات الطائرة الشبح.
وخلال اجتماع في المكتب البيضاوي، أكد نائب الرئيس جيه دي فانس أن الإدارة الأمريكية تبحث آليات تسمح ببيع المقاتلات لتركيا، شريطة التزامها بالقوانين الأمريكية.
غير أن هذه الخطوة تواجه معارضة قوية داخل الكونغرس من الحزبين، ومن بينهم السيناتور الجمهوري البارز جيم ريش، رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، الذي يرفض بيع F-35 طالما تحتفظ أنقرة بمنظومة S-400 الروسية.
وفي الأسبوع الماضي، اتخذت وزارة الخارجية الأمريكية خطوة باتجاه إتمام الصفقة، بعدما أخطرت عددًا من كبار المشرعين بعزمها تجاوز اعتراضات الكونغرس على صفقة تزيد قيمتها على 700 مليون دولار لتصدير هذه المحركات إلى تركيا، بحسب مصدرين مطلعين.
لكن النائب الديمقراطي غريغوري ميكس، كبير الديمقراطيين في لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب، انتقد القرار قائلًا: «وزارة الخارجية لم تحاول حتى تبرير قرارها. لم تستند إلى أي حالة طوارئ، ولم تقدم مبررًا مكتوبًا، كما أنها امتنعت لأشهر عن إطلاعي بحسن نية على تداعيات الصفقة بالنسبة للعلاقات الأمريكية التركية، واستمرار امتلاك تركيا لمنظومة S-400، وغيرها من المخاوف الأمنية الإقليمية».
دفء متزايد في العلاقات الأمريكية التركية
ولا يقتصر تحسن العلاقات بين واشنطن وأنقرة على التعاون الدفاعي. ففي وقت سابق من هذا العام، أسقطت وزارة العدل الأمريكية في إدارة ترامب قضية كبرى ضد بنك خلق بنك التركي الحكومي، الذي كان متهمًا بمساعدة إيران على الالتفاف على العقوبات الأمريكية.
ومع عودة ترامب إلى البيت الأبيض لولاية ثانية، اختار صديقه المقرب توم براك سفيرًا للولايات المتحدة لدى تركيا، وهو أحد أبرز حلفائه ورئيس سابق للجنة تنصيبه.
وقال أستاذ العلاقات الدولية في جامعة TED بأنقرة أحمد قاسم خان: «يلعب براك دورًا محوريًا في تسهيل العلاقات بين البلدين».
كما أجرى أردوغان وترامب العديد من الاتصالات الهاتفية بشأن سوريا وقطاع غزة والشرق الأوسط، وانضمت تركيا إلى «مجلس السلام»، الهادف إلى الإشراف على وقف إطلاق النار في غزة.
وقال ترامب هذا الشهر إنه طلب من أردوغان عدم الانخراط في الحرب مع إيران، وأن الرئيس التركي استجاب لذلك، رغم عدم وجود مؤشرات على أن أنقرة كانت تعتزم التدخل أصلًا.
وأعرب ترامب عن إعجابه بأردوغان حتى أثناء وقوفه إلى جانب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مؤتمر صحفي مشترك العام الماضي.
وبعد لقائه ترامب في قمة الناتو بمدينة لاهاي العام الماضي، كشف أردوغان للصحفيين جانبًا من طبيعة العلاقة الشخصية بينهما، قائلًا: «مع صديقي ترامب، نفتح الباب أمام مرحلة جديدة في العلاقات التركية الأمريكية. والدبلوماسية الهاتفية بيننا لم تتجاوز يومًا 24 ساعة؛ فعندما يتصل أحدنا، يرد الطرف الآخر خلال أقل من يوم».