تعود فكرة "مجلس السلام" إلى مسار وأحداث حرب غزة أكتوبر/تشرين الأول 2023 وإعادة إعمارها.
غير أن الميثاق الذي كشفت عنه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أظهر طموحًا يتجاوز هذا الإطار، إذ يمنح المجلس دورًا عالميًا في معالجة النزاعات المسلحة والمساهمة في ترتيبات ما بعد الحروب.
ووفق هذا التصور، لا يقتصر دور المجلس على الملف الفلسطيني، بل سيمتد ليكون منصة دولية موازية للهياكل الدولية التقليدية في إدارة الأزمات والنزاعات.
منطق القوة والمرونة والمصالح
يقوم التصميم المؤسسي للمجلس على مزيج من البراغماتية والهيمنة والطابع الشخصي لترامب، حيث إن العضوية مزدوجة بين دول دائمة مقابل مساهمات مالية كبيرة، وأخرى دورية قابلة للتجديد كل ثلاث سنوات ومنها أطراف معنية وقريبة من الصراع جغرافيًا، كما أن هناك صلاحيات واسعة لرئيس المجلس تشمل حق النقض، وأيضًا رئيس المجلس مدته مدى الحياة، لذا يتضح أن ترامب يرغب في الاستمرار في السياسة الدولية حتى بعد نهاية ولايته. وفي هيكل المجلس شخصيات سياسية دولية وأخرى ذات قوة مالية وخبرة أمنية.
فلسفة المجلس:
الفلسفة تقوم على أن المجلس المقترح يأتي عبر حقيقة مفادها أن النظام الدولي الحالي بات بطيئًا ومثقلًا بالتوازنات السياسية، خصوصًا في مجلس الأمن، حيث تؤدي الخلافات بين القوى الكبرى إلى شلل متكرر في التعامل مع الأزمات.
ومن هنا، يرى أنصار المشروع أن إنشاء مؤسسة جديدة أكثر مرونة وتمتلك موارد مالية مستقلة وصلاحيات تنفيذية واضحة، وتجمع أطراف الصراع والمصالح، قد يوفر قدرة أكبر على التدخل السريع في النزاعات وحلها، سواء عبر الوساطة أو إدارة عمليات إعادة الإعمار أو الإشراف على ترتيبات ما بعد الصراع.
حقيقةً، يروّج أنصار المشروع أن المجلس أخف في إطار البيروقراطية، ومستقل ماليًا، وقادر على جمع أطراف متعددة في النزاع حيث تتقاسم المصالح والمكاسب في حالة الاستقرار، وعلى كل ذلك، ستكون عملية اتخاذ القرارات والتنفيذ سريعتين، وأكثر فاعلية.
أزمة الشرعية:
لكن جوهر الجدل لا يتعلق بالكفاءة بقدر ما يرتبط بالشرعية. فقد أثار المشروع قلقًا أوروبيًا واضحًا خشية أن يتحول إلى منافس مباشر لمنظومة الأمم المتحدة العالمية أو منظمات إقليمية دولية، بما قد يؤدي إلى تفكيك تدريجي لقواعد النظام الدولي القائم.
وعلى النقيض، يظهر قبول نسبي في بعض الدول العربية، مدفوعًا بالارتباط المباشر بملف غزة والقضية الفلسطينية وإمكانية تسريع التمويل وإعادة الإعمار.
المقارنة التاريخية: أكتوبر/تشرين الأول 1973 وأكتوبر/تشرين الأول 2023
عند المقارنة بالمحاولات الدولية السابقة، تبرز اللقاءات الدبلوماسية غير الرسمية التي عُقدت في ميونخ بعد حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 بمبادرة من ألمانيا الغربية، التي يمكن تسميتها بمنصة ميونخ لقنوات الحوار كنموذج مهم لمسارات الوساطة غير الرسمية. وهدفت المنصة إلى احتواء التصعيد وفتح قنوات الاتصال بين الأطراف، دون امتلاك صلاحيات تنفيذية أو هيكل مؤسسي دائم. واقتصر دورها على تهيئة المناخ الدبلوماسي للحوار، الأمر الذي قاد إلى قناة دبلوماسية رسمية مهدت الطريق لاحقًا لمؤتمر كامب ديفيد 1978، الذي نتج عنه اتفاق سلام بين مصر وإسرائيل.
في المقابل ذلك، يختلف "مجلس السلام" المقترح في عدة نقاط جوهرية منها:
• فهو يسعى منذ البداية إلى دور دائم وعابر للنزاعات خارج أطر الدبلوماسية واللقاءات.
• يمتلك قيادة مركزية وصلاحيات تنفيذية أوسع.
• ويطرح نفسه كبديل جزئي أو موازٍ للنظام الدولي والأنظمة الفرعية/الإقليمية الدولية التقليدية، لا مجرد إطار مؤقت للتفاوض.
كيان شبه دولي لا منظمة تقليدية
لا يمكن توصيف المجلس المقترح بدقة كمنظمة دولية بالمعنى القانوني المعروف، إذ لا يستند إلى معاهدة متعددة الأطراف أو شرعية تمثيلية واسعة على غرار الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية. فالأدق وصفه بأنه كيان شبه دولي - أي مؤسسة تجمع بين الطابع الحكومي والنفوذ السياسي والتمويل، لكنها تعمل خارج الأطر القانونية التقليدية للنظام الدولي.
هذا النمط ليس جديدًا في السياسة الدولية. فأطر مؤثرة مثل مجموعة السبع أو مجموعة العشرين تمارس تأثيرًا عالميًا واسعًا دون أن تكون منظمات دولية رسمية. كما أن نماذج عملياتية مثل التحالف الدولي ضد داعش أظهرت كيف يمكن لكيانات غير مؤسسية تقليدية أن تلعب دورًا مباشرًا في إدارة النزاعات. لكن الفارق الجوهري أن هذه الأطر كانت مكملة للنظام الدولي، لا بديلًا عنه، وهي نقطة ستحدد مستقبل المجلس المقترح.
الخاتمة: معادلة المستقبل
تشير التجربة التاريخية إلى أن مبادرات السلام تنجح عندما تكون محددة الهدف ومدعومة بتوافق دولي، وتتعثر عندما تُنظر إليها كأدوات نفوذ سياسي. ومن ثم، فإن مستقبل مجلس السلام لن يتحدد بموارده أو سرعة قراراته، بل بقدرته على تحقيق توازن دقيق بين الكفاءة التنفيذية والشرعية الدولية. فبدون هذا التوازن، قد يتحول من مشروع لإصلاح النظام الدولي إلى عامل إضافي في تفككه. مقابل ذلك، قد يشكل المجلس حلقة ناجحة تتكرر في حل مختلف النزاعات عبر الأطراف المعنية بالنزاع والدول والشخصيات ورجال الأعمال الداعمين للسلام، حيث في السلام والاستقرار تتعاظم وتتوزع المكاسب المادية والأمنية والإنسانية والتجارية والمالية
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة