واشنطن وبكين.. سياسة تكنولوجية متقلبة
تشهد السياسة الأمريكية تجاه التكنولوجيا الصينية حالة غير مسبوقة من التقلّب.
ينعكس ذلك خصوصاً في ملفات الرقائق المتقدمة وتطبيق تيك توك، فخلال أسابيع قليلة فقط، انتقلت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من معارضة بيع رقائق «H20» المتطورة من إنفيديا إلى الصين بدواعٍ أمنية، إلى السماح بهذه المبيعات مقابل حصة من الأرباح، ثم فتحت الباب لاحقاً لتوسّع مبيعات الشرائح لدول أخرى رغم النفوذ الصيني المتزايد فيها. وفي السياق نفسه، وبعد أعوام من محاولات حظر تيك توك والتشديد على مخاطره الأمنية، تتجه واشنطن اليوم نحو صفقة تبقي للمستثمرين الصينيين تأثيراً على خوارزمية التطبيق.
وهذه المواقف المتناقضة، وفق محللين وخبراء أمنيين نقلت عنهم مجلة "فورين بوليسي"، ليست مجرد تذبذب سياسي؛ بل تمثل خطراً استراتيجياً بعيد المدى على الولايات المتحدة. فحين تتعامل واشنطن مع قضايا الأمن القومي وكأنها أوراق تفاوض تجارية، فإنها تقوّض صدقيتها أمام شركائها وحلفائها، وتضعف قدرتها على تشكيل جبهة موحدة في مواجهة التكنولوجيا الصينية الحساسة.
نهج يتكرر
والتجربة ليست جديدة. ففي 2018، حين حاولت إدارة ترامب الأولى شن حملة دولية ضد هواوي، اختلط الخطاب الأمني مع حسابات الحرب التجارية، مما أثار شكوكاً لدى دول مثل بريطانيا التي اعتقدت أن الولايات المتحدة تبالغ في التهديد الأمني سعياً إلى مكاسب اقتصادية. احتاج الأمر سنوات قبل أن تنضم لندن إلى حظر «هواوي» في شبكات الجيل الخامس.
واليوم، يبدو التاريخ في طريقه للتكرار. فبعد أن بنى البيت الأبيض موقفاً صارماً يقيد بيع رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة للصين -باعتبارها قد تعزز قدرات الذكاء العسكري والاستخباراتي لبكين- تراجع الموقف فجأة عقب اجتماع مع قيادات إنفيديا. وهذا التراجع بعث رسالة واضحة للعالم: القيود الأمنية الأمريكية قابلة للتفاوض. ونتيجة ذلك، بات الحلفاء يشكّون في مدى جدية واشنطن، فيما ترى الخصوم أن فرصة الالتفاف على القيود ستظل متاحة مع أي تحوّل سياسي جديد في البيت الأبيض.
والأمر ذاته انعكس في ملف تيك توك. فبعد أعوام من التحذير من المخاطر الأمنية للتطبيق، تقبلت الإدارة الحالية صيغة تبقي للمستثمرين الصينيين نحو 20% من الملكية، وسط غياب تفاصيل واضحة حول أمن البيانات أو السيطرة على الخوارزمية. وعلى الرغم من أن واشنطن كانت تتوقع أن يحتذي الحلفاء الأوروبيون بها، فإن غموض موقفها الجديد عزز الشكوك لديهم حول وجود تهديد حقيقي أصلاً.
وفي المدى الطويل، سيجعل هذا التذبذب أي محاولة أمريكية لبناء تحالفات ضد التكنولوجيا الصينية أكثر صعوبة. فحين تدعو واشنطن لاحقاً إلى حظر شركة صينية ما، أو إلى فرض قيود على السيارات أو الشرائح أو التطبيقات المرتبطة ببكين، فإن كثيراً من العواصم سيتساءل: هل هذا موقف استراتيجي أم مناورة تفاوضية عابرة؟
وفي عالم مترابط رقمياً، تحتاج الولايات المتحدة إلى تعاون دولي حقيقي لضبط سلاسل الإمداد ومنع انتقال التكنولوجيا الحساسة إلى خصومها. لكن هذا التعاون يعتمد في جوهره على الثقة—وكل تناقض في السياسات يحرق جزءاً ثميناً من رصيد تلك الثقة.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuNDMg جزيرة ام اند امز