سياسة

سفارة أمريكا "المزيفة" في غانا.. القصة الحقيقية

الثلاثاء 2017.11.28 09:24 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 954قراءة
  • 0 تعليق
المنزل الوردي الذي قيل إنه سفارة أمريكية مزيفة في غانا

المنزل الوردي الذي قيل إنه سفارة أمريكية مزيفة في غانا

يوم 2 ديسمبر/كانون الأول، انتشرت قصة مثيرة في وسائل الإعلام حول العالم عن سفارة أمريكية "مزيفة" في العاصمة الغانية أكرا، ترفع العلم الأمريكي فوق مبنى زهري اللون من طابقين بل تضع صورة الرئيس السابق باراك أوباما في طرقة المدخل، وقيل إن الشبكة الإجرامية وراء هذه السفارة تبحث عن الزبائن الساذجين وتبيع لهم تأشيرات أمريكية مزورة مقابل 6 آلاف دولار أمريكي.

وأثارت السفارة المزيفة ضجة ضخمة لأن القصة كانت مألوفة بشكل متوقع؛ حيث أشارت إلى أن الأفارقة محتالون نظرا لانتشار التجارة في التأشيرات المزيفة بالعديد من دول شرق إفريقيا خاصة غانا، وإلى الضحايا اليائسين الساذجين، والشرطة المحلية الخرقاء، وفي النهاية تدخل الأمريكيين لإنقاذ الموقف.

لكن المشكلة الوحيدة في هذه القصة أنها ليست حقيقية، حسب تقرير مطول نشرته صحيفة "الجارديان" البريطانية، اليوم الثلاثاء.

قصة مختلقة؟


في صباح اليوم الذي انتشرت فيه القصة، وجد سيث سيورنو، الذي كان آنذاك رئيس وحدة تزوير التأشيرات والوثائق في الشرطة الغانية، قادة في شرطة التحقيقات المحلية وأصدقاءه أيضا بالوحدة وصحفيين محليين ومن حول العالم يتصلون به لمعرفة المزيد من المعلومات حول المداهمة التي تمت على المنزل الوردي الذي نشرت صورته وزارة الخارجية الأمريكية على موقعها الإلكتروني في تقريرها حول السفارة المزيفة.

إلا أن سيورنو ارتبك وكان في حيرة من أمره؛ لأنه لم يكن يعلم شيئا عن أي مداهمة أو تحقيق حول سفارة أمريكية مزيفة، فحاول إيجاد أي من الضباط كانوا منخرطين في هذه القضية، ليجد أن وحدة الشرطة التي أشارت لها الخارجية الأمريكية في تقريرها، مكتب المحققين في غانا، "ليست موجودة أصلا"، كما أكدت قيادات أخرى في الشرطة الغانية لسيورنو أنهم لم يشاركوا في التحقيق.

يبدو أن القصة كانت مبنية بالكامل على مصدر واحد: التقرير الذي نشرته الخارجية الأمريكية، والذي استندت فيه على سفارتها في أكرا، ولذلك اتصل سيورنو بالسفارة الأمريكية الحقيقية في غانا ليبلغه مصدره بالداخل: "أنا لا أعرف أي شيء عن الأمر"، وهو ما يشير إلى أنهم كانوا مطالبين بالتكتم على الموضوع.

المنزل الوردي

زار مراسل "الجارديان" في غرب إفريقيا، يبوكا يبو، المنزل الذي انتشرت صورته في جميع وسائل الإعلام على أنه السفارة المزيفة، وكان في باحته الأمامية محل خياطة صغير، والذي قالت عنه الخارجية الأمريكية إنه "واجهة للمكان ويتم فيه باستخدام ماكينة خياطة صناعية إعادة صناعة أغلفة جوازات السفر المزورة".

وداخل المحل الذي يصل عرض أوسع نقطة فيه مترين فقط، يوجد رجل يدعى بيري كويتي الذي ارتبك عندما رأى صورة المنزل في قصة السفارة المزيفة، لكنه قال ساخرا: "إذا كنت أعمل في مثل هذه التجارة المزيفة، كنت لتجد سيارة رينج روفر مركونة أمام المحل".

وبزيارة المنزل نفسه، وجد المراسل إحدى مالكات العقار وهي سوزانا لامبتي التي شيد جدها هذا المكان في العشرينيات أو الثلاثينيات، وورثه أبناؤه الثمانية لكن معظمهم انتقل بعيدا بعد أن قسموا المنزل إلى شقق وقاموا بتأجيرها، بينما قامت سوزانا بفتح مخبر صغير في الباحة الخلفية للمنزل الذي تعيش فيه مع أسرتها.

وكانت سوزانا من آخر السامعين عن ما نشرته الخارجية الأمريكية عن منزلها وأنه سفارة مزيفة، حين اتصل بها صديق لها وأخبرها بأن القصة منتشرة على الإنترنت، وهو ما أصابها بالإزعاج لأنها لم تعرف كيف حدث ذلك ومن مصدر هذه المعلومات.

وقالت سوزانا إن الشرطة المحلية لم تداهم المنزل أبدا، بل أشارت إلى أنه بعد علمها بالقصة اتجهت مع أسرتها إلى مركز الشرطة ليعرفوا ما إذا كانوا فعلا تحت التحقيق، لكن الضباط هناك أخبروهم بأنه لا يوجد شيء ليقلقوا حياله.

الخيط المفقود


لويد بايدو، المحقق في الشرطة المحلية بغانا، قال إنه الذي التقط صورة المنزل الوردي التي انتشرت على الإنترنت، لكنه كان قد سمع عن قصة السفارة المزيفة في يونيو/حزيران 2016 قبل نحو 6 شهور من نشر الخارجية الأمريكية لتقريرها.

تسلم بايدو وفريقه حينها معلومات حول حلقة إجرامية تزور تأشيرات أمريكية في منزل وردي بمنطقة أدابراكا، يومي الثلاثاء والخميس من كل أسبوع، وعندما يكون مفتوحا يعلقون علم الولايات المتحدة فوقه ويضعون صورة لأوباما في الطرقة الرئيسية.

واتجه بايدو وضابط آخر إلى المكان ليتحققا منه لكنهما لم يجدا أي شيء مشبوه، وبعد الدوران حول المنزل مرات عدة والتحقق من الباحة الخلفية، أدرك بايدو سريعا أنه لا أحد قد يشتري تأشيرة بـ6 آلاف دولار من هذا المكان، قائلا: "لم أستغرق 5 دقائق لأستنتج ذلك".

وفي وقت لاحق من الأسبوع نفسه، تسلم بايدو معلومات جديدة عن عملية أخرى في أدابراكا لكنها كانت مليئة بالتفاصيل مقارنة بسابقتها؛ حيث يديرها رجل يدعى كير بواكي من شقته ويتقاضى نحو 350 دولارا مقابل التأشيرة.

وبعد مداهمة الشقة، وجدت الشرطة 135 جواز سفر غانيا تم اكتشاف أن معظمها مزور لاحقا، وكان يوجد جوازات سفر من دول إفريقية أخرى، وطوابع مطاطية لتزوير الخطابات الرسمية، وطوابع أخرى من هيئة الهجرة الغانية، وبنك بركليز، والبنك الوطني للاستثمار، وأطباء غير حقيقيين وشركات محاماة كذلك، وتم اعتقال رجلين آخرين مع كير بواكي.

القصة الأمريكية

رغم أن المداهمة أسفرت بالفعل عن اعتقال 3 مزورين في شقة، إلا أنها لم تكن سفارة مزيفة بل مجرد حلقة إجرامية أخرى في غانا لتزوير التأشيرات وأوراق السفر، وهو أمر منتشر بشكل كبير في أكرا نظرا لصعوبة ظروف الحياة وارتفاع معدلات البطالة وكذلك صعوبة وارتفاع تكلفة الحصول على تأشيرة بشكل قانوني، بل عدم ضمان الحصول عليها بعد دفع هذه التكلفة غير المسترجعة.

ويرى المحقق الغاني بايدو أن قصة الخارجية الأمريكية مبنية بشكل كبير على المعلومات الخاطئة التي تلقاها في يونيو/حزيران 2016 حول المنزل الوردي، بل يؤكد أن الصورة المنشورة مع التقرير على موقع الخارجية الأمريكية التقطها بنفسه أثناء تفقده للمكان.

وقال بايدو إن الصورة الأخرى التي نشرت في التقرير، ويظهر فيها جوازات سفر منثورة على الأرض، حصلوا عليها من المداهمة الأخرى على شقة كير بواكي، موضحا أن القدم التي تظهر في الصورة لكن في الخلفية هي قدمه، بل جعل مراسل "الجارديان" يرى الحذاء الذي كان يرتديه حينها ليؤكد له ادعاءه.

وكذلك المحقق سيورنو الذي تولى قضية الحلقة الإجرامية التي تمت مداهمتها بعد بايدو، أكد أنه لا يوجد قصة من الأساس، مشيرا إلى أن مصادره في السفارة الأمريكية أخبروه بأن شخص ما في الخارجية الأمريكية، تلقى المعلومات الخاطئة حول المنزل الوردي وقصة مداهمة شقة الحلقة الإجرامية "ودمج القصتين معا".

تعليقات