أرقام تكشف أزمة الأضاحي في تونس.. غلاء متصاعد وتراجع أعداد المواشي
تعيش أسواق تونس منذ أيام أجواء عيد الأضحى، حيث يسعى التونسيون، بمختلف فئاتهم الاجتماعية، إلى الحفاظ على عادات هذه المناسبة الدينية رغم الارتفاع الكبير في أسعار الأضاحي.
ورغم الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تواجهها الأسر التونسية، في ظل ارتفاع معدل التضخم إلى 5.5%، يحرص كثيرون على التمسك بعادات العيد، ولو في حدودها الدنيا.
وتجاوزت أسعار الأضاحي هذا الموسم 2000 دينار تونسي (نحو 650 دولارا)، فيما بلغت أسعار بعض الخراف الكبيرة 3 آلاف دينار، في بلد لا يتجاوز فيه الحد الأدنى للأجور 611 دينارا (نحو 210 دولارات).
وقال محمد الصديق، وهو موظف تونسي التقت به "العين الإخبارية" في سوق المواشي بمدينة المروج، بالضاحية الجنوبية للعاصمة تونس، إن أسعار الأضاحي تضاعفت مقارنة بالعام الماضي، رغم تحسن المراعي بعد التساقطات المطرية التي شهدتها البلاد.
وأوضح أن "أسعار الخراف المعروضة تجاوزت راتبه الشهري، لكن شراء الأضحية يبقى ضرورة، خاصة أنه يريد إسعاد أطفاله بهذه المناسبة".
وكان ديوان الإفتاء التونسي قد تدخل لحسم الجدل بشأن الدعوات إلى مقاطعة الأضاحي، إذ أكد مفتي الجمهورية، هشام بن محمود، في تصريحات لإذاعة "موزاييك إف إم"، أنه "لا إثم ولا حرج شرعًا على العائلات التي يتعذر عليها شراء الأضحية بسبب ضيق ذات اليد".

من جهته، أكد رئيس المنظمة التونسية للدفاع عن المستهلك، لطفي الرياحي، أن أسعار الأضاحي ارتفعت هذا العام بنحو 300 دينار، أي ما يعادل 100 دولار، مقارنة بالسنة الماضية.
وأضاف أن الأسعار الحالية "مبالغ فيها مقارنة بكلفة الإنتاج"، داعيًا إلى تشديد الرقابة على مسالك التزويد والبيع، خاصة في الفضاءات غير المنظمة.
كما شدد على ضرورة التثبت من مصادر اقتناء الأضاحي، لضمان شفافية المعاملات وحماية المستهلك من المضاربة والزيادات غير المبررة في الأسعار.
أسباب ارتفاع الأسعار
بدوره، أكد الخبير في الشأن الزراعي، الهاشمي المؤدب، أن أسعار المواشي شهدت ارتفاعًا "مشطًا" مع اقتراب عيد الأضحى.
وأوضح لـ"العين الإخبارية" أن عدة عوامل تقف وراء هذا الارتفاع، من بينها التغيرات المناخية، وارتفاع أسعار الأعلاف المستوردة، وتراجع أعداد القطيع، وتقلص المراعي، إضافة إلى ذبح الإناث، ما تسبب في فجوة بين العرض والطلب.
وأشار إلى أن التجار والوسطاء باتوا يسيطرون على السوق ويتحكمون في الأسعار، ما وضع المواطن أمام معادلة صعبة بين تراجع قدرته الشرائية وضرورة شراء الأضحية.
من جانبه، أكد رئيس النقابة التونسية للفلاحين، ميداني الضاوي، وجود نقص واضح في القطيع الوطني مقارنة بالسنوات الماضية، وهو ما عمّق الأزمة ودفع الأسعار إلى مزيد من الارتفاع.
وأوضح أن الأضاحي لا تزال متوفرة في الأسواق، رغم تراجع أعداد القطيع، مشيرًا إلى أن احتياجات العائلات التونسية تقدر بنحو 950 ألف أضحية سنويًا، فيما تتراوح نسبة النقص في القطيع بين 20 و25%.
واعتبر الضاوي أن الفلاح أصبح "الضحية الكبرى" في منظومة الأضاحي، إذ يتحمل تكاليف مرتفعة لرعاية إناث الأغنام وتوفير الأعلاف لأشهر طويلة، ثم يضطر لبيع خرافه بهامش ربح محدود، في حين يحقق الوسطاء أرباحًا تتراوح بين 300 و500 دينار في الرأس الواحد.
وأضاف أن "أغلبية الأضاحي لم تعد موجودة لدى الفلاحين منذ فترة تتراوح بين شهر وشهرين".
وتشهد أسعار اللحوم الحمراء أيضًا ارتفاعًا ملحوظًا، إذ بلغ سعر كيلوغرام لحم الضأن نحو 70 دينارًا (ما يعادل 23 دولارًا).
وتنتج تونس سنويًا نحو 120 ألف طن من اللحوم الحمراء، غير أن البلاد تشهد تراجعًا في معدل استهلاك الفرد لهذه اللحوم.
وتظهر بيانات المعهد الوطني للإحصاء أن تونس فقدت 288 ألف رأس من الأبقار بين عامي 2015 و2022، ليتراجع إجمالي القطيع من 671.2 ألف رأس إلى 388 ألف رأس، ما يعكس عمق الأزمة التي يمر بها قطاع تربية الماشية في البلاد.