اقتصاد

هل تكون "البريكس" موضع اختبار؟

الجمعة 2018.8.17 07:25 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 408قراءة
  • 0 تعليق
مجدي صبحي

شهدت عملات الأسواق الناشئة ضغوطا كبرى إثر تدهور الليرة التركية، واتجهت لتسجيل أكبر خسائر لها منذ عام 2016، فقد صاحب انخفاض الليرة التركية تحركات من قبل المستثمرين تسببت في موجة بيعية لعملات الأسواق الناشئة كافة، وما يعزز من هذه الموجة -وربما ما قد يدفع نحو استمرار التخلي عن عملات الأسواق الناشئة- ما نشهده حاليا من ارتفاع في سعر صرف الدولار حتى بلغ أعلى مستوى له أمام بقية العملات في 13 شهرا، وأيضا توقع استمرار هذا الارتفاع مع الاتجاه لرفع أسعار الفائدة على الدولار ربما مرتين خلال الفترة المتبقية من هذا العام.

 الاهتمام الأول والذي يعد الأكثر أهمية وتحديا لدول "البريكس" تركز على محاولة حل مشكلة شعور هذه المجموعة بالغبن نتيجة عدم التناسب الواضح بين وزنها الاقتصادي الكبير والآخذ في النمو خاصة عند لحظة التأسيس، وبين ضآلة وزنها في عملية صنع القرار الاقتصادي الدولي

وحسب الأنباء فقد كانت أهم العملات التي شهدت انخفاضا في أسعار صرفها قياسا إلى الدولار هي الراند الجنوب أفريقي، والروبية الهندية (التي شهدت أكبر انخفاض لها في 17 عاما)، والروبل الروسي، واليوان الصيني والريال البرازيلي (أي عملات دول مجموعة البريكس)، إلى جانب عملات بلدان ناشئة أخرى مثل المكسيك والأرجنتين وإندونيسيا.

وربما تكون هذه أكبر أزمة تواجهها دول مجموعة البريكس منذ تأسيسها وانعقاد أول قمة لها في عام 2009. وقد تكون هذه الأزمة أيضا اختبارا حقيقيا للجدوى من إنشائها.

البريكس: التكوين والأهداف

لا تشكل مجموعة البريكس تجمعا يسعى نحو التكامل الاقتصادي، أي ليس الطموح النهائي لأعضائها هو تشكيل اتحاد اقتصادي كالاتحاد الأوروبي مثلا، بل ولا منطقة تجارة حرة أو حتى منح مزايا متبادلة في المجالات التجارية والاستثمارية، وليس أدل على ذلك من أنه من بين أكثر من 197 مليار دولار استثمارات خارجية لبلدان البريكس في 2016 لم تمثل الاستثمارات البينية سوى 5.6% منها، أي نحو 11 مليار دولار. كما أن الأوزان متفاوتة بشدة، إذ تلعب الصين الدور الأكبر، حيث إن أغلب التجارة السلعية تتم معها، بينما العلاقات التجارية بين باقي الدول الأربع وبعضها البعض محدودة نسبيا، وتتفاوت الأوزان الاقتصادية من حيث الحجم تفاوتا شديدا أيضا، فبينما بلغ الناتج المحلي الإجمالي للصين نحو 11.20 تريليون دولار في نهاية عام 2016، لم يبلغ في الدولة التالية لها وهي الهند سوى 2.26 تريليون، و1.80 تريليون في البرازيل، و1.28 تريليون في روسيا، وأخيرا 0.30 تريليون في جنوب أفريقيا، أي أن الناتج الصيني يبلغ ضعف مجموع الناتج في البلدان الأربعة الأخرى.

علاوة على ذلك، تعمقت حدة التفاوتات بين هذه البلدان خلال السنوات الأربع 2013-2016 مع تدهور أسعار السلع الأولية التي تعتمد عليها كل من روسيا والبرازيل وجنوب أفريقيا في صادراتها، وما ترتب على ذلك من تدهور اقتصادي في البلدان الثلاثة. ففي عام 2015 على سبيل المثال، سجلت البرازيل معدل نمو اقتصادي سالب 3.8%، وكان المعدل سالبا أيضا في روسيا 3.7%، بينما كان معدل النمو منخفضا بشدة في جنوب أفريقيا حيث بلغ 1.3%، في الوقت الذي سجل فيه المعدل 8.7% في الهند و6.9% في الصين.

إلى جانب كافة ما سبق ينبغي ألا يتم تجاهل أن العلاقات على المستوى السياسي لا يمكن توصيفها بالجيدة بين كافة هذه البلدان، خاصة بين العملاقين الصين والهند، حيث وصل الخلاف الحدودي بينهما إلى حد المناوشات العسكرية قبيل انعقاد قمة البريكس يومي 4 و5 سبتمبر 2017 بالصين.

وقد تمثلت الاهتمامات التي سيطرت على المجموعة في اهتمامين عريضين:

الاهتمام الأول والذي يعد الأكثر أهمية وتحديا لدول "البريكس" تركز على محاولة حل مشكلة شعور هذه المجموعة بالغبن نتيجة عدم التناسب الواضح بين وزنها الاقتصادي الكبير والآخذ في النمو خاصة عند لحظة التأسيس، وبين ضآلة وزنها في عملية صنع القرار الاقتصادي الدولي. ويتجلى ذلك بوضوح في تمثيل هذه البلدان في المؤسسات الكبرى كصندوق النقد والبنك الدوليين.

والواقع أن هذه الدول لم تجنح واقعيا لتحدي أي من آليات العمل القائمة لأنها تعمل في صالح بعض بلدان البريكس حاليا وعلى رأسها الصين التي يتم توصيفها حاليا بـ"بطلة العولمة"، خاصة بعد تبني سياسات الحماية التجارية بشكل علني من قبل قوى رئيسية كالولايات المتحدة، أي أن هذه الدول الخمس (خاصة الأكبر بينها، أي الصين والهند) تعترض في حقيقة الأمر على تحجيم نفوذها في حلبة النظام الاقتصاد الدولي، بينما هي لا تعترض بشكل جوهري على قواعد عمل هذا النظام، طالما أن هذه القواعد تعمل في صالحها. أي يمكن القول باختصار أن دول البريكس تبحث لها عن موقع في إدارة الاقتصاد الدولي من موقع الشريك الند، وليس من موقع الشريك الخاضع لهيمنة دول أخرى أو للمؤسسات التي تسيطر عليها.

وتركز الاهتمام الثاني لدول البريكس في كيفية تخفيف أثر أي أزمات مالية مستقبلية على اقتصاداتها، والحيلولة دون وقوعها تحت رحمة مؤسسات دولية كصندوق النقد الدولي وبرامجه التي قد تتعارض مع الخطط والرؤى التي تراها لتطورها الاقتصادي والاجتماعي. وقد تعزز ذلك بتاريخ الأزمات المالية التي أصابت بعض هذه البلدان وغيرها من البلدان الناشئة والنامية. فالتاريخ الحديث جدا في هذا الصدد يمتد من الأزمة المالية المكسيكية المعروفة بأزمة "التيكيلا" في عام 1994، إلى الأزمة الآسيوية في عام 1997، فالأزمة المالية الروسية في عام 1998 والبرازيلية في عام 1999 ثم مرة ثانية في عام 2001، والأزمة الأرجنتينية في 2001 أيضا، وأخيرا الأزمة المالية العالمية التي تفجرت في عام 2008.

من هنا كان التفكير في كيفية تعزيز التعاون المالي بين دول البريكس للحيلولة دون تدخل الدول الغربية الكبرى ومؤسسات التمويل الدولية لتعديل مساراتها الاقتصادية. وكان أن أنشأت مجموعة البريكس آلية تناظر صندوق النقد الدولي أسميت بترتيب الإقراض الطارئ بتمويل يبلغ 100 بليون دولار. ونُظر لهذا الترتيب كدرع لحمايتها من ضغوط نقص السيولة القصيرة الأجل، وتحقيق الاستقرار المالي دون اللجوء لصندوق النقد الدولي، وقالت المجموعة نصا إن هذه الآلية هي وسيلة إضافية تستهدف حماية الاستقرار المالي العالمي. إضافة إلى هذا أنشأت المجموعة أيضا بنكا للتنمية برأس مال بلغ رأسماله 100 بليون دولار لتمويل مشروعات البنية الأساسية ومشروعات التنمية المستدامة في دول المجموعة والدول النامية الأخرى، وهو ما يناظر عمل البنك الدولي، وإن على نطاق أضيق.

وربما يكون هذا الهدف من أهداف مجموعة البريكس عرضة للاختبار قريبا إذا ما تعمقت أزمة أسعار صرف عملاتها واحتاجت إلى تمويل كبير نسبيا في الأجل القصير. وسوف يتم النظر بدقة في أحجام هذا التمويل وشروطه: أي ما إذا كان التمويل المقدم كافيا في معالجة أزمة هذه البلدان، أم ستضطر للجوء لصندوق النقد الدولي؟ كما سيُنظر أيضا في الشروط التي سيتم فرضها عمليا لمنح التمويل وطرق سداده، هل هي شروط ستشكل نهجا بديلا عن شروط صندوق النقد الدولي، أم ستقتفي خطاه خطوة بخطوة؟ وتصبح القضية هي مجرد استنساخ للمؤسسات الدولية على مستوى أكثر ضيقا بكثير، ومع هيمنة ستكون بطبيعة الحال في هذه الحالة صينية باعتبار أنها المرشحة لتقديم التمويل الأكبر الذي قد تحتاجه بلدان المجموعة.

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات