التحليلات

السترات الصفراء في تركيا.. المحفزات والتحديات

الإثنين 2018.12.24 08:43 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 839قراءة
  • 0 تعليق
هل تنتقل عدوى السترات الصفراء إلى تركيا؟

هل تنتقل عدوى السترات الصفراء إلى تركيا؟

يحبس الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ومعه الحكومة، أنفاسه بعد تصاعد المؤشرات التي تدل على إمكانية انتقال عدوى "السترات الصفراء" إلى بلاده، وهو الأمر الذي يثير قلق الحكومة التركية.
ويعيد هذا المشهد في تركيا إلى الأذهان المخاوف من تكرار تظاهرات ميدان تقسيم "جيزى بارك" في العام 2013، والتي كشفت عن تراجع الرصيد التقليدي لحزب العدالة والتنمية الحاكم بزعامة أردوغان.
وبينما كان الرئيس التركي يتباهي بقدرته على حماية بلاده من المؤامرة التي تستهدف بلاده، وحشد كل طاقاته ليتوَّج زعيما جديدا، ومختلفا عن أتاتورك، بدأت بعض التظاهرات النوعية على غرار "السترات الصفراء" التي انطلقت في باريس في 17 نوفمبر الماضي.
كانت البداية في ميناء ألوس الشهير نهاية نوفمبر الماضي، لكن منعت الدولة وسائل الإعلام من تغطيتها، وتجددت الاحتجاجات في 16 ديسمبر الجاري تلبية لدعوة "اتحاد نقابات عمال الخدمة العامة".
وتظاهر الآلاف في مدينة ديار بكر جنوب شرق البلاد، في مظهر شبيه بمظاهرات "السترات الصفراء" في باريس، احتجاجا على غلاء الأسعار وصعوبة المعيشة وارتفاع معدل التضخم وتدني الأجور، كما طالبوا بإعادة المطرودين من مناصبهم بتهمة المشاركة في الانقلاب على السلطة الدستورية في يوليو 2016.


وبرغم محدودية التظاهرات التي استلهمت زي "السترات الصفراء"، إلا أن الرئيس أردوغان وعد بسحقها، وقال: "الذين سينزلون إلى الشارع مرتدين السترات الصفراء سيدفعون ثمنا باهظا"، كما وصف التظاهرات المشتعلة في فرنسا احتجاجا على ارتفاع أسعار الوقود السائل بأنها "أعمال إرهابية"، في إشارة منه إلى ضرورة قمع المتظاهرين.
ودفعت المخاوف الحكومة التركية لعمل مسح إحصائي عن طريق وزارة الداخلية لمبيعات "السترات الصفراء" في المدن التركية الكبرى، وبخاصة إسطنبول.
والواقع أن سلوك الحكومة التركية ورفع العصا الغليظة في مواجهة كل الاحتجاجات التي شهدتها البلاد طوال السنوات الخمس التي خلت، شكّل عنصرا إضافيا ومهما في تغذية الاحتقان الاجتماعي، والذي تصاعد لدرجة لم تعد فكرة الاحتشاد الداخلي قادرة على إيقافها، ومنع تحولها لانتفاضة.
ولذلك، فإن التطور الذي أحدثته موجة تظاهرات "السترات الصفراء" في فرنسا، هو تطور يمكن أن يغري بالتكرار في تركيا لعدة اعتبارات: أولها اتجاه الحزب الحاكم في تركيا لممارسة نوع من السلطوية، والذي كشفت عنه تهديدات أردوغان لمعارضيه، إضافة إلى أن توجه الرئيس أردوغان إلى الانفراد بالرأي والدفع باتجاه أسلمة قوانين ومواد دستورية، بجوار تديين الخطاب السياسي العام دون مراعاة لظروف البيئة المحيطة، أو تهيئة المناخ الاجتماعي المشحون، إذ تعاني تركيا منذ الانقلاب الفاشل في يوليو 2016، وعلى خلفية التعديلات الدستورية التي حوَّلت البلاد لجهة النظام الرئاسي في أبريل 2017، استقطابا مجتمعيا، وتشظيا سياسيا غير مسبوق.


ثاني تلك الاعتبارات هو توافق قطاعات واسعة من المعارضة السياسية، والمجتمعية في تركيا نحو ضرورة إنقاذ البلاد من سياسات الرئيس أردوغان الذي فتح صفحة سياسية غير مسبوقة في تاريخ تركيا، حيث أدخل البلاد في جدل عقيم حول الهوية، بدلا من العمل على ترسيخ البرامج والقيم، ومن خلال ممارسة قائمة على تطوير الاقتصاد وتحسين ظروف معيشة المواطنين، وإعادة التوازن في مجال الحقوق الأساسية للأفراد، والتي باتت تتعرض لتآكل بفعل سيطرة أردوغان على تفاصيل المشهد في تركيا، وإمعانه في تجاوز الحريات، والتوجه نحو الاعتقالات العشوائية، والقرارات الاستثنائية التي طالما توسعت فيها الحكومة التركية بكثافة، منذ بدأت العمل بقانون الطوارئ في يوليو 2016 عشية الانقلاب الفاشل.

الاتحاد الأوروبي وعدد من المنظمات الحقوقية الدولية، مثل هيومان رايتس ووتش ومراسلون بلا حدود، وبخوا تركيا بسبب تدهور استقلالية السلطة القضائية وسير عملها، وإمعان السلطة التنفيذية في عمليات الاحتجاز والسجن وغيرها من التدابير المستمرة التى تستهدف الصحفيين والأكاديميين، وأعضاء الأحزاب السياسية، والمدافعون عن حقوق الإنسان.
في هذا السياق، جاءت دعوة كمال كليغدار أوغلو زعيم حزب الشعب الجمهوري للتظاهر، وتشجيعه العمال على الاحتجاج على أوضاعهم السيئة عبر التظاهرات على غرار فرنسا.
خلف ما سبق، تتزامن التظاهرات التي شهدتها المناطق الكردية، مع أزمة اقتصادية غير مسبوقة تعانيها البلاد، وتحولت المتاعب المالية التركية إلى مسلسل طويل من الأزمات، والمفاجآت التي باتت تحتل موقعا بارزا في السجل الاقتصادي العالمي.
وتعاني الليرة التركية منذ بدايات العام الجاري تقلبات حادة، أفقدتها نحو 41 % من قيمتها، على خلفية فرض الولايات المتحدة عقوبات اقتصادية عليها؛ بسبب مماطلتها في الإفراج عن القس الأمريكي "أندرو برونسون" قبل إطلاق سراحه في أكتوبر الماضي، كما تأثر الاقتصاد التركي بفعل إلغاء مساعدة أوروبية بقيمة 70 مليون يورو لتركيا، عقابا لها على ما أسما الاتحاد بــ"انتهاك حقوق الإنسان وحرية الصحافة فيها".
والواقع أن انهيار العملة التركية لم تكن فقط بفعل العقوبات الاقتصادية الأمريكية على بعض القطاعات التركية، وإنما تعود بالأساس إلى إصرار أردوغان على التدخل في رسم السياسة النقدية بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية التي جرت في يونيو الماضي.
يشار إلى أن الرئيس التركي تعهد قبيل العملية الانتخابية ببسط سيطرة كبرى على البنك المركزي، ما أدى إلى انهيار في سعر صرف الليرة، وتوجه قطاع كبير من المستثمرين الأجانب إلى سحب أموالهم من الأسواق التركية، كما توجه أردوغان نحو تقليص المجموعة الاقتصادية، وقصرها على أهل الثقة بهدف تحقيق مزيد من السيطرة على مفاصل السياسة النقدية، وفي ذلك السياق جرى تعيين صهره بيرات البيراق وزيرا للمالية، فتراجعت قيمة الليرة التركية بنحو 3 % بعد يوم فقط من توليه هذا المنصب.

وعلى رغم سلسلة إجراءات عاجلة للتحايل على انهيار العملة، من بينها قرار البنك المركزي التركي تعديل سياسة الاحتياط بهدف تعزيز القطاع المصرفي في البلاد، إضافة إلى ترويج نخب الحكم في تركيا لفكرة وجود مؤامرة خارجية لضرب الاقتصاد التركي، في غضون ذلك وصل العجز في الميزان التجاري التركي وفق تقرير المفوضية الأوروبية إلى 8.8 %، في نهاية مايو الماضي، مقارنة بـ5.6 % في العام 2017.
كما حلت تركيا محل الأرجنتين كونها السوق الأسوأ أداء للسندات بالعملة المحلية، بعد تراجع الليرة إلى مستوى قياسي، وفقا لمؤشرات "بلومبيرغ باركليز".
الجدير بالنظر أن اختزال الأزمة الاقتصادية في انخفاض قيمة العملة يعد تبسيطا شديدا لأزمة مركبة ومعقدة، إذ ترتبط الأزمة بجوانب أخرى أهمها ارتفاع تكلفة ديون الدولة التركية، حيث تُقدَّر الديون بنحو 400 مليار دولار، منها 30 مليار دولار مستحقة بنهاية العام 2018.
وأدت سياسة رفع أسعار الفائدة التي ينتهجها البنك المركزي لمحاربة التضخم إلى زيادة تكلفة التمويل على الشركات وركود في الأسواق، ما تسبب في تراجع معدلات التشغيل وارتفاع البطالة إلى 11,4 في المئة.
كما أظهرت بيانات مركز الإحصاء التركي، أن هناك 3.75 مليون عاطل بالبلاد، بجوار ارتفاع التضخم إلى مستويات قياسية، حيث بلغ ما يقرب من 22 %.
في المقابل، أرجعت وكالة بلومبيرغ في تقرير صادر لها مطلع ديسمبر الجاري، الأزمة الاقتصادية التركية إلى يما وصفته بـ"التمويل الرخيص"، والذي أفرز طبقة من المليارديرات التي استفادت من هذا التمويل لمشروعات استهلاكية دعمتها حكومة العدالة والتنمية.
 كما أن المخاطر الجيوسياسية التي ترتبت على الانخراط التركي السلبي في صراعات الإقليم، وبخاصة الأزمة السورية والأزمة العراقية، إضافة إلى الدخول في علاقة من وراء ستار مع الجماعات الجهادية في المنطقة، استنزفت الاقتصاد التركي، وأدت إلى تنامي المخاوف، وتراجع ثقة المؤسسات الدولية في الاقتصاد التركي، وبدا ذلك في تحذير صندوق النقد، من أخطار ارتفاع معدل التضخم نتيجة عدم رفع سعر الفائدة.

ساهم أيضا استمرار التصعيد ضد الأكراد في جنوب شرقي تركيا، في خلق مناخ خصب لتصعيد الاحتجاجات الشعبية على غرار "سترات باريس"، حيث تعاني مناطق تركُّز الأكراد من غياب المشاريع التنموية، إضافة إلى قمع الحقوق السياسية للأكراد، وبدا ذلك في إقصاء رؤساء البلديات المنتخبين من الأكراد في أكثر من 90 قرية ومدينة، وتعيين أوصياء حكوميين، وهو ما كرَّس استمرار العنف، كما أثار إعلان أردوغان عن عزمه في الأيام المقبلة إطلاق حملة عسكرية في شرق الفرات لإنهاء وجود وحدات حماية الشعب الكردية غضب أكراد تركيا بفعل التوجهات القمعية لأردوغان، وحليفه حزب الحركة ضد الأكراد في المنطقة.
خلاصة القول أن الحركة الاحتجاجية التي شهدتها بعض المناطق التركية، وبخاصة المناطق ذات الكثافة الكردية، والتي بدأت تكتسب زخما ستفرض تحديات جديدة على الحكومة التي فشلت حتى الآن في توفير التدابير الاقتصادية، والإجراءات الاحترازية في تقديم معالجة حقيقية للأزمة الاقتصادية التي تعانيها البلاد.
ويعاني قطاع واسع من الأتراك، بفعل التراجع الاقتصادي الحادث اليوم، من ظروف معيشية صعبة، خاصة في أوساط الطبقتين الوسطى والشعبية (موظفين وعمال وصغار الحرفيين)، الذين تضرروا من ارتفاع أسعار المواد الغذائية، وكذلك أسعار الغاز والكهرباء التي زادت مؤخرا بنسبة وصلت إلى نحو 14 %، من دون أن يواكب ذلك ارتفاع في الأجور، أو تحسين في مستوى المعيشة.
إن الخطأ السياسي لأردوغان تمثّل في الاستهانة بمعارضيه، وغض الطرف عن أوضاع المهمشين اقتصاديا، بالذات جنوب شرق البلاد، واعتقاده أن فوزه في الانتخابات التي جرت في 24 يونيو الماضي، أعطاه تفويضا شعبيا واسعا لتنفيذ برنامجه الاقتصادي المتسق مع معتقداته الأيديولوجية، وصكّ على بياض لإعادة تفصيل المشهد على مقاس طموحاته السياسية.
يغرد الرئيس التركي في خيال، رغم أنه لا ينسى أنه حسم المعركة الرئاسية الأخيرة بالكاد بنسبة 51 %، وأن تصويت قطاعات واسعة له جاء تحت تأثير الدعاية الدينية، وتكريس مؤسسات الدولة، والتضييق على تحركات المعارضة لمصلحة التعبئة والحشد له، ولصالح حزبه العدالة والتنمية.

تعليقات