حادث مهرجان تورونتو.. لماذا تتكرر جرائم إطلاق النار في المدن الكندية؟
تحول مهرجان "سالسا أون سانت كلير" (Salsa on St. Clair)، الذي يعد أكبر احتفال بالثقافة اللاتينية في كندا ويستقطب الآلاف سنوياً، إلى ساحة مأساوية مساء السبت، حينما اخترقت أصوات الرصاص صخب الموسيقى والرقص في مدينة تورونتو.
هذا الحدث، الذي كان من المفترض أن يكون متنفساً للفرح والتبادل الثقافي، انقلب في لحظات إلى مشهد مرعب بعد حادث إطلاق نار جماعي أسفر عن مقتل شخصين وإصابة أربعة آخرين بجروح متفاوتة، تاركاً المدينة في حالة من الصدمة العميقة، ومجدداً الجدل الوطني حول تفشي حوادث العنف في الأماكن العامة.
تفاصيل اللحظات المرعبة
تشير المعطيات الرسمية إلى أن الحادث وقع عند تقاطع شارع "سانت كلير أفينيو ويست" وشارع "أرلينجتون أفينيو". ففي تمام الساعة 8:12 من مساء السبت بالتوقيت المحلي، تلقت غرف العمليات في شرطة تورونتو بلاغات عاجلة عن إطلاق نار كثيف. وفقاً لشهود العيان، سادت حالة من الهلع غير المسبوق بين الحضور؛ حيث سارع الآلاف إلى الفرار وسط تدافع عشوائي، بينما تحولت الشوارع التي كانت تعج بالباعة والمطاعم إلى منطقة أمنية مغلقة. وأكدت الشرطة لاحقاً وفاة رجلين، أحدهما لفظ أنفاسه الأخيرة في موقع الحادث، والآخر في المستشفى بعد محاولات طبية حثيثة لإنقاذه، بينما تراوحت حصيلة المصابين بين 4 و6 أشخاص، نُقلوا جميعاً لتلقي العلاج في مراكز الصدمات بالمدينة.
هل كان هجوماً عشوائياً؟
في محاولة لتهدئة الرأي العام ومنع انتشار الشائعات، خرج نائب رئيس شرطة تورونتو بتصريحات توضيحية هامة، أكد فيها أن التحقيقات الأولية ترجح أن الحادث لم يكن هجوماً إرهابياً أو استهدافاً عشوائياً لزوار المهرجان، بل كان نتيجة "تبادل لإطلاق نار" بين أطراف محددة كانت تستهدف بعضها البعض. وعلى الرغم من هذا التفسير، إلا أن وقوع هذا الاشتباك المسلح وسط حشود المهرجان يعكس استخفافاً صارخاً بحياة المدنيين. وقد فرضت الشرطة طوقاً أمنياً مشدداً، وأجرت عمليات مسح دقيقة للموقع، حيث أعلنت رسمياً العثور على سلاحين ناريين يُعتقد أنهما استُخدما في العملية، فيما لا تزال عمليات الملاحقة جارية لتعقب الجناة الذين لاذوا بالفرار من المنطقة.

ملاحقة أمنية مكثفة
تخوض أجهزة الأمن في تورونتو سباقاً مع الزمن لكشف ملابسات هذه الواقعة "المعقدة". وتعتمد خطة البحث على مراجعة دقيقة لساعات من تسجيلات كاميرات المراقبة المثبتة في المتاجر والمطاعم المحيطة، إلى جانب تفريغ إفادات العشرات من شهود العيان الذين كانوا في قلب الحدث. وتشدد الشرطة على أن جمع الأدلة الجنائية يسير بوتيرة متسارعة، مؤكدة أنها لن تألو جهداً في ملاحقة المنفذين وتقديمهم للعدالة. وفي السياق ذاته، دعت السلطات المواطنين إلى توخي الحذر والتعاون مع المحققين، مع إعلان التزامها بتعزيز التواجد الأمني في كافة الفعاليات الجماهيرية المقبلة لمنع تكرار مثل هذه الخروقات الأمنية الخطيرة.
تضامن مجتمعي
أثار الحادث ردود فعل غاضبة ومستنكرة على أعلى المستويات. فقد عبّر رئيس وزراء مقاطعة أونتاريو، دوج فورد، عن صدمته البالغة، واصفاً الحادث بأنه "عنف غير مبرر" يمس بأمن المجتمع الكندي. من جانبها، أعربت عمدة تورونتو، أوليفيا تشاو، عن حزنها العميق وتضامنها مع أسر الضحايا، مؤكدة أن سلامة المواطنين في الأماكن العامة خط أحمر، ودعت إلى تنسيق أكبر بين مختلف الأجهزة لضمان عدم تحول التجمعات الاحتفالية إلى ساحات صراع.
هل تفقد كندا أمانها؟
لا يعد حادث "سانت كلير" واقعة منفصلة، بل هو حلقة في سلسلة من حوادث العنف التي تهز كندا مؤخراً. فقبل أسابيع فقط، شهدت مدينة مونتريال حادثاً مماثلاً أسفر عن مقتل شخصين، أحدهما ضابط شرطة، ما وضع أجهزة الأمن تحت ضغوط كبيرة. ولعل الذاكرة الجمعية للكنديين لا تزال تستحضر مأساة فبراير الماضي في بلدة "تامبلر ريدج"، حيث ارتكبت امرأة مجزرة دموية أسفرت عن ثمانية قتلى وإصابة 27 آخرين قبل أن تنهي حياتها. هذه الوقائع، مجتمعة، تعيد فتح النقاش الوطني الحاد حول تشريعات حيازة الأسلحة، وفاعلية التدابير الأمنية المتبعة، وسط مخاوف من أن تصبح المدن الكندية أكثر عرضة لجرائم العنف المسلح التي كانت يوماً ما تعد استثناءً نادراً.
لماذا تتكرر حوادث إطلاق النار في المهرجانات الكندية؟
يرى خبراء أمنيون أن تكرار حوادث إطلاق النار في المهرجانات والفعاليات الجماهيرية في كندا يرتبط في كثير من الأحيان بصراعات بين عصابات الجريمة المنظمة أو خلافات شخصية تنتقل إلى أماكن مزدحمة، حيث يستغل الجناة التجمعات الكبيرة لتنفيذ هجماتهم أو تصفية حساباتهم. كما أن الطبيعة المفتوحة للمهرجانات وصعوبة إخضاع جميع الحضور لتفتيش دقيق تجعل من تأمين هذه الفعاليات تحدياً كبيراً أمام الأجهزة الأمنية.
ورغم أن كندا تُعد من الدول التي تطبق قوانين صارمة نسبياً بشأن حيازة الأسلحة مقارنة بالولايات المتحدة، فإن السلطات الكندية تواجه تحديات متزايدة تتعلق بتهريب الأسلحة غير القانونية وتصاعد جرائم العصابات في بعض المدن الكبرى، وعلى رأسها تورونتو. وتؤكد الشرطة أن معظم حوادث إطلاق النار في المناسبات العامة تكون موجهة ضد أشخاص محددين، إلا أنها كثيراً ما تسفر عن سقوط ضحايا أبرياء بسبب وجود أعداد كبيرة من المواطنين في محيط الحادث.