التجارة بين أوروبا والصين.. إلى عجز قياسي غير مسبوق
تشهد العلاقات التجارية بين الاتحاد الأوروبي والصين توتراً ملحوظاً مع تسجيل عجز تجاري غير مسبوق بلغ نحو مليار يورو يومياً.
والرقم الذي استند لأحدث البيانات الرسمية، يثير قلقًا متزايدًا بشأن مستقبل القاعدة الصناعية الأوروبية، بحسب تقرير لصحيفة "الغارديان" البريطانية.
ونقلت "الغارديان" عن بيانات صادرة عن مركز الإحصاء الأوروبي "يوروستات"، أن الفجوة بين واردات الاتحاد الأوروبي من الصين وصادراته إليها بلغت نحو 31.9 مليار يورو خلال شهر أبريل/نيسان فقط، وهو ما يعكس اتساعًا مستمرًا في الاختلال التجاري بين الجانبين، ويضع ضغوطًا إضافية على صناع القرار الأوروبيين.
تحولات في بنية التجارة العالمية
وفي هذا السياق، حذر عدد من المتخصصين من أن استمرار هذا الاتجاه قد يؤدي إلى ما يُعرف بـ"صدمة الصين 2.0"، في إشارة إلى التجربة التي شهدتها الولايات المتحدة قبل عقدين، عندما أدت زيادة الواردات الصينية إلى تراجع الصناعات المحلية في عدد من المناطق، وهو السيناريو الذي يخشى البعض تكراره في أوروبا.
من جانبه، أشار مسؤولون في قطاع الصناعات المعدنية إلى أن الشركات الأوروبية باتت تعاني بالفعل من منافسة شرسة، معتبرين أن السياسات الحالية لا تعكس حجم التحدي الحقيقي. وأكدوا أن الاعتماد المتزايد على الصين في توفير المكونات الصناعية قد يمنح بكين نفوذًا كبيرًا في تحديد الأسعار والكميات، وهو ما قد ينعكس سلبًا على الأمن الصناعي، خاصة في القطاعات الحساسة مثل الصناعات الدفاعية.
خيارات متعددة
ويشير محللون إلى أن واردات السيارات الهجينة الصينية شهدت ارتفاعًا كبيرًا منذ عام 2024، خاصة بعد فرض رسوم جمركية على السيارات الكهربائية دون أن تشمل الهجينة، وهو ما فتح الباب أمام تدفق هذه الفئة من السيارات إلى السوق الأوروبية.
في السياق ذاته، تسعى بعض الدول الأوروبية، وعلى رأسها فرنسا، إلى تبني نهج تعاوني مع الصين قبل اتخاذ إجراءات أكثر تشددًا، في محاولة لإيجاد توازن بين حماية الصناعات المحلية والحفاظ على العلاقات التجارية.
ورغم هذه الجهود، يبدو أن التوصل إلى حلول سريعة أمر غير مرجح، خاصة في ظل غياب الصين عن بعض طاولات النقاش الدولية، ما يقلل من فرص تحقيق اختراقات حقيقية في المدى القريب.
في المقابل، تؤكد تقارير صينية أن نحو نصف صادراتها إلى أوروبا تتكون من مكونات صناعية تساهم في خفض تكاليف الإنتاج داخل المصانع الأوروبية، وهو ما يعكس طبيعة العلاقة المعقدة بين الطرفين، حيث يجمع التعاون والمنافسة في آن واحد.
وبالنظر إلى هذه المعطيات، يواجه الاتحاد الأوروبي تحديًا استراتيجيًا يتمثل في كيفية إعادة التوازن إلى علاقته التجارية مع الصين، دون الإضرار بمصالحه الاقتصادية أو الدخول في نزاعات تجارية واسعة النطاق.
ويرى خبراء أن هذا العجز المتنامي لا يمثل مجرد رقم اقتصادي، بل يعكس تحولات أعمق في بنية التجارة العالمية، حيث تمكنت الصين من تعزيز موقعها كمورد رئيسي للسلع الصناعية، مستفيدة من دعم حكومي واسع النطاق، الأمر الذي يمنح منتجاتها قدرة تنافسية عالية في الأسواق الأوروبية.
وبينما يدرس الاتحاد الأوروبي خيارات متعددة للتعامل مع هذا الوضع، تبدو فرض الرسوم الجمركية خيارًا معقدًا سياسيًا، نظرًا لصعوبة التوصل إلى توافق بين الدول الأعضاء. في المقابل، يبرز خيار فرض حصص على بعض الواردات، مثل المواد الكيميائية والسيارات الهجينة، كأحد الحلول الأكثر قابلية للتنفيذ.