في وقت تواصل فيه الصين ترسيخ مكانتها كقوة تصديرية كبرى، تساءل اقتصاديون عن وجهة فائضها التجاري الضخم.
وفقا لتقرير نشره موقع "ذي واير تشاينا"، أنهت الصين عام 2025 بأكبر فائض تجاري في تاريخها، بلغ نحو 1.2 تريليون دولار، وهو رقم يعكس قوة قطاعها الصناعي وقدرته التنافسية في الأسواق العالمية، لكنه في الوقت ذاته يخفي تحولات عميقة في طريقة توظيف هذه الفوائض.
ورغم ضخامة الرقم، تشير بيانات ميزان المدفوعات إلى أن الفائض الفعلي أقل قليلًا، إذ يقترب من 1.1 تريليون دولار، قبل أن يتقلص أكثر عند احتساب عجز الخدمات والدخل الأولي.
فالصين سجلت عجزًا في قطاع الخدمات بلغ 238 مليار دولار خلال العام ذاته، مدفوعًا بشكل رئيسي بإنفاق السياحة الخارجية، إلى جانب عجز آخر في الدخل الأولي نتيجة تحويل أرباح المستثمرين الأجانب. وبذلك يصل فائض الحساب الجاري إلى نحو 735 مليار دولار، وهو رقم لا يزال قياسيًا لكنه أقل من التقديرات الأولية.
تحول في استخدام الفائض
اللافت أن كيفية إعادة استخدام هذا الفائض تغيرت جذريًا مقارنة بالعقود الماضية. ففي أوائل الألفية، كان بنك الشعب الصيني يتولى الدور الرئيسي، حيث يقوم بشراء العملات الأجنبية المتدفقة وتحويلها إلى احتياطيات رسمية تُستثمر غالبًا في أدوات دين حكومية، خاصة الأمريكية. وقد شهدت تلك الفترة نموًا سنويًا كبيرًا في الاحتياطيات، بلغ في المتوسط نحو 300 مليار دولار بين 2002 و2011.
لكن هذا النمط بدأ يتغير تدريجيًا بعد عام 2012، مع تخفيف القيود على سوق الصرف الأجنبي، وهو ما سمح للشركات الصينية بالاحتفاظ بجزء أكبر من إيراداتها بالعملات الأجنبية. ومع مرور الوقت، تراجعت العلاقة المباشرة بين الفائض التجاري وتراكم الاحتياطيات، وبدأ القطاع الخاص يلعب دورًا أكبر في توجيه هذه الأموال.
نقطة التحول الأبرز
وجاءت نقطة التحول الأبرز بعد عام 2015، عندما دفعت توقعات تراجع قيمة العملة المحلية الشركات والمستثمرين إلى الاحتفاظ بالدولار أو تحويل أموالهم إلى الخارج. لكن في السنوات الأخيرة، خاصة بعد جائحة كورونا، تغيرت الدوافع مرة أخرى. فلم يعد الخوف من تقلبات العملة هو المحرك الرئيسي، بل البحث عن عوائد أعلى في الأسواق العالمية.
واليوم، تشير البيانات إلى أن الجزء الأكبر من الفائض التجاري يتم توجيهه عبر قنوات استثمارية خاصة، تحديدا في الأسهم والسندات الدولية. وقد سجلت تدفقات الاستثمار في المحافظ المالية نحو الخارج أكثر من 426 مليار دولار في 2025، وهو ما يمثل أكثر من نصف التحركات في الحساب المالي. كما زادت استثمارات الشركات الصينية المباشرة في الخارج، وإن بوتيرة أقل، لتصل إلى نحو 140 مليار دولار.
دور محوري لهونغ كونغ
وتلعب هونغ كونغ دورًا محوريًا في هذه العملية، حيث أصبحت منصة رئيسية لتدفقات رؤوس الأموال الصينية. فقد ارتفعت الاستثمارات المتجهة إلى أسواقها المالية بشكل كبير، مدعومة بآليات الربط المالي مثل برامج “Stock Connect”، التي تسهل دخول المستثمرين من البر الرئيسي إلى الأسواق الدولية.
وهذا التحول يعكس تغيرًا أعمق في هيكل الاقتصاد الصيني، حيث أصبحت قوى السوق تلعب دورًا أكبر في توجيه التدفقات المالية بدلًا من الاعتماد على الإدارة المركزية. كما يشير إلى انفتاح مالي متزايد، يعزز من اندماج الصين في النظام المالي العالمي.
في المقابل، يطرح هذا التطور تحديات جديدة، إذ أن التدفقات القائمة على قرارات استثمارية خاصة تكون أكثر حساسية لتقلبات الأسواق العالمية، مثل تغير أسعار الفائدة أو توقعات أسعار الصرف.
وهو ما قد يزيد من تقلبات حركة رؤوس الأموال مقارنة بالنظام السابق الذي كان يعتمد بشكل أكبر على الاحتياطيات الرسمية.
وبعد مراحل من التحول فقد بات الفائض التجاري الصيني يُعاد تدويره اليوم عبر الاستثمارات المالية والتدفقات المصرفية العابرة للحدود، مع دور متزايد للأسواق، وهو ما يعكس مرحلة جديدة من تطور الاقتصاد الصيني وتعميق اندماجه في الاقتصاد العالمي.