الإمارات تخرج من أوبك.. هكذا جاء الخبر، مفاجئًا وقاطعًا، في 28 أبريل/نيسان الماضي، تصدر شاشات العاجل من الشرق إلى الغرب، كزلزالٍ سياسي واقتصادي، وما زالت ارتداداته تُسمع حتى لحظة كتابة هذه السطور.
متقدّمًا على أخبار كثيرة، ومستحوذًا بسرعة كبيرة على مساحات النقاش، حيث كان السؤال الأبرز: ماذا حدث؟ ولماذا الآن؟ وكيف وصلت الأمور إلى هنا؟ ولم تمضِ ساعات قليلة، حتى كانت خطوط الاتصال تتجه إلى أبوظبي، بحثًا عن إجابة، أو حتى إشارة.
ساعات البث امتلأت بالمحللين، السياسي قرأ القرار من زاوية التوازنات، والاقتصادي ربطه بالأسواق والأسعار، وخبراء الطاقة حاولوا الجمع بين الاثنين مع إضافة لمساتهم التقنية للموضوع، حيث كلٌ ينظر ويُنظَر من زاويته، لكن الصورة الكاملة بدت أوسع من تفسير واحد.
بدايةً يجب أن يعلم الجميع أنه من حق أي دولة أن تحمي مصالحها ومكتسباتها بالطريقة المناسبة لها، فهذا هو دورها الأساسي وواجبها الأول، فلا يمكن لدولة أن تكون محايدة تجاه مصالحها، ولا أن تساوم على مستقبلها، ولا أن تتركه للظروف، ومن هذه الزاوية، يصبح القرار أكثر فهمًا واستيعابًا.
وكمواطن إماراتي، أعيش تفاصيل التحول من الداخل، وأرى كيف تُدار الملفات، أستطيع القول إن هذا القرار لم يكن مفاجئًا كما بدا للبعض، بل كان امتدادًا طبيعيًا وتطورًا منهجيًا لمسار استراتيجي واضح يقول: نحن لا نعيش فقط اقتصاد النفط، بل ننتقل منه، يومًا بعد آخر يتقدّم اقتصاد المعرفة لدينا، ويحتل مساحات كبيرة من الاقتصاد التقليدي، ويبرز الذكاء الاصطناعي كحقيقة وواقع أكثر يقينًا، وتتغير طريقة التفكير قبل أن تتبدل الأرقام وتتغير الأيام.
وضمن هذا السياق وهذه الحقيقة، فإن هذا القرار لم يبدأ في يوم إعلانه، بل بدأ منذ سنوات، منذ أن وضعت الإمارات عينها على ما بعد النفط، ومنذ أن قيل بوضوح إن الهدف ليس فقط إدارة الحاضر، بل الاستعداد لزمن مختلف، بدأ حين قال الشيخ محمد بن زايد آل نهيان قبل أكثر من عقد بأننا يجب أن نحتفل بتصدير آخر برميل نفط بدلًا من الحزن عليه، في إعلان كبير عن طريقة متقدمة في التفكير، وتوجه مبكر في تحديد المصير.
بدأ عندما قررنا التوجه المبكر والاستثمار الكبير في الطاقة المتجددة، بعد يقين كامل بأن العالم، بنا أو بدوننا، سيتجه هذا الاتجاه ويسلك هذا الطريق، فلم تذهب عقولنا سكرة النفط وثرواته، ونظرنا للواقع بتجرد كبير، ويقين كامل بقدراتنا وإنجازاتنا بأننا فقط نحتاج الطاقة لنستمر ونزدهر، وليس النفط لنعيش.
كثيرون ينظرون إلى النفط كقصة نجاح، والإمارات تنظر إليه كوسيلة، وسيلة للعبور من مرحلة إلى أخرى، ومن اقتصاد يعتمد على مورد واحد، إلى اقتصاد متنوع، قائم على المعرفة والتقنية، أما ما قد لا يدركه البعض، فإن نهاية عصر النفط لا تعني انتهاء آخر قطرة، بل انتهاء الحاجة إليه، وما بين أن تكون على مائدة الطعام، أو تكون على قائمته، اخترنا أن نكون نحن (الشيف) الذي يُعدّه.
النفط، في هذا السياق، ليس نهاية القصة، بل بداية الحكاية، والدول التي تفهم هذه الحقيقة مبكرًا، تتحرك قبل أن تُفرض عليها الظروف، تستفيد من هذا المورد الناضب إلى أقصى حد،
لكنها لا ترهن مستقبلها عليه، وتغادره قبل أن يغادرها.
هنا تظهر الإجابة على السؤال الكبير الذي يبحث عنه الجميع، انسحاب الإمارات من أوبك، في هذا السياق هو مجرد تحصيل حاصل لقرار استراتيجي أكبر بكثير، وهو الانسحاب من النفط وسطوته وسكرته، قد يبدو ذلك حالِمًا لمن هو خارج الإمارات، ولكنه نتيجة منطقية، وفكرة واقعية نتيجة تفكير طويل، وتخطيط يسبق زمنه، ورؤية لا تكتفي بالحاضر، وفكر متحرر من القيود الوهمية.
الإمارات لم تغيّر اتجاهها نحو المستقبل، بل أعلنت عنه بصوت واضح وصريح، والفرق بين من يقرأ اللحظة، ومن يصنعها
يظهر في مثل هذه القرارات، الإمارات اختارت اقتصادًا لا يعتمد على ما في الأرض،
بل على ما في العقول قدرات، وما في النفوس من طموحات.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة