سياسة

بعد مجزرة نيوزيلندا.. تطبيق وثيقة "الأخوة الإنسانية" مطلب عاجل

السبت 2019.3.16 01:29 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 311قراءة
  • 0 تعليق
موقع الهجوم الإرهابي

موقع الهجوم الإرهابي

أثبتت الجريمة الإرهابية البشعة التي استهدفت المصلين في مسجدين بنيوزيلندا حاجة العالم لتطبيق مبادئ التسامح وقيم التعايش ومواجهة التطرف والإرهاب والعنف وخطاب الكراهية والعداء والتعصب، وغيرها من مبادئ تضمنتها وثيقة "الأخوة الإنسانية" .

ووثيقة "الأخوة الإنسانية" هي وثيقة وقعها قداسة البابا فرنسيس بابا الكنيسة الكاثوليكية وفضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر رئيس مجلس حكماء المسلمين، على أرض دولة الإمارات العربية المتحدة يوم 4 فبراير/شباط الماضي.

ومنذ توقيع الوثيقة تعمل الإمارات بالتعاون مع الرمزيين الدينيين الكبيرين على نشر الوثيقة وتطبيق مبادئها على أوسع نطاق.

وفيما تتواصل الجهود لنشر الوثيقة، استيقظ العالم، اليوم الجمعة، على وقع هجوم إرهابي استهدف مسجدين في نيوزيلندا، أودى بحياة نحو 49 شخصا وإصابة آخرين على يد يميني متطرف وصفته رئيسة الوزراء النيوزيلندية بـ"الإرهابي العنيف".

وشهدت مدينة "كرايستشيرش" النيوزيلندية هجوما إرهابيا كبيرا على مسجدين، في حادث هو الأسوأ الذي تعيشه البلاد.


وبطريقة وحشية مصورة على الهواء مباشرة، فتح شخص يدعى "برينتون تارنت"، أسترالي الجنسية، النار على عشرات الأشخاص الموجودين داخل مسجدين بوسط مدينة "كرايستشيرش" النيوزيلندية.

وقام تارنت الذي يبلغ من العمر 28 عاما ببث جريمته أمام العالم كله من صفحته بمواقع التواصل الاجتماعي.

وعقب الهجوم، أكد فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر والدكتور علي النعيمي رئيس المجلس الأعلى للمجتمعات المسلمة، أهمية تطبيق مبادئ وثيقة الأخوة على مستوى العالم لترسيخ قيم التعايش ومواجهة التطرف.

شيخ الأزهر.. تذكرة مهمة

وفي بيان إدانة لهجوم نيوزيلندا، أكد فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر أهمية المبادئ التي تضمنتها "وثيقةُ الأخوة الإنسانية"، التي تحارب "التَّطرُّف والتعصُّب الأعمى بكُلِّ أشكالِه وصُوَرِه".

وقال في هذا الصدد: "من المهم في هذه اللحظات المؤلمة أن نتذكَّر ما نصَّت عليه وثيقةُ الأخوة الإنسانية، التي وقَّعها الأزهر الشريف وحاضرة الفاتيكان، في فبراير الماضي، من تأكيدٍ على ضرورة التحلِّي بالأخلاقِ والتَّمسُّكِ بالتعاليمِ الدِّينيَّةِ القَوِيمةِ لمُواجَهةِ النَّزعاتِ الفرديَّةِ والأنانيَّةِ والصِّدامِيَّةِ، والتَّطرُّفِ والتعصُّبِ الأعمى بكُلِّ أشكالِه وصُوَرِه".

وبين أن الوثيقة شددت على أنَّ "الإرهابَ البَغِيضَ الذي يُهدِّدُ أمنَ الناسِ، سَواءٌ في الشَّرْقِ أو الغَرْبِ، وفي الشَّمالِ والجَنوبِ، ويُلاحِقُهم بالفَزَعِ والرُّعْبِ وتَرَقُّبِ الأَسْوَأِ، ليس نِتاجًا للدِّين -حتى وإنْ رَفَعَ الإرهابيُّون لافتاتِه ولَبِسُوا شاراتِه- بل هو نتيجةٌ لتَراكُمات الفُهُومِ الخاطئةِ لنُصُوصِ الأديانِ وسِياساتِ الجُوعِ والفَقْرِ والظُّلْمِ والبَطْشِ والتَّعالِي".

وشدد شيخ الأزهر على أن تلك المذبحة "الإرهابية الشنيعة"، التي حرص مُنفذوها على تصويرها وبثِّها على الهواء للعالم كله، لا تختلف كثيرا عن مشاهد قطع الرقاب المُروِّعة التي ارتكبتها عصاباتُ داعش الإجراميَّة، فهما فرعان لشجرةٍ واحدة، رُوِيت بماء الكراهية والعنف والتطرُّف".


وبين أنه "آنَ الأوان أن يكفَّ الناس شرقا وغربا عن ترديد أكذوبة (الإرهاب الإسلامي)".

وشدد على أهمية مواجهة ظاهرة الإسلاموفوبيا وتيَّارات العداء العنصري للأجانب والمُهاجرين في الغرب، مشيرا إلى أنها لم تحظَ حتى الآن بالاهتمام الكافي، رغم خُطورتها وتحوُّلها في كثيرٍ من الحالات لأعمالِ عُنفٍ وكراهيةٍ مَقِيتة".

ودعا إلى "سرعةَ التحرُّك الفاعل لتجريمها ومُحاصرتها ورفع أيِّ غطاءٍ سياسيٍّ أو دينيٍّ عن أصحابها، مع بذل مزيدٍ من الجهد لتعزيز قِيَمِ التسامح والتعايش والاندماج الإيجابي القائم على المساواة في الحقوق والواجبات، واحترام الخصوصية الدينيَّة والثقافيَّة".

قيم التعايش.. مشاريع عالمية

بدوره شدد الدكتور علي النعيمي، رئيس المجلس الأعلى للمجتمعات المسلمة، على ضرورة محاربة الإرهاب من جذوره، مؤكدا أن وثيقة "الأخوة الإنسانية" التي وقعت بالإمارات بين البابا فرنسيس وشيخ الأزهر كانت سابقة وهي الأولى من نوعها.

وبين أن الإمارات تعمل على تطبيقها في الواقع، قائلا: "نحن الآن في مرحلة تحويل الوثيقة إلى برامج ومبادرات ومشاريع على مستوى العالم".

وأشار إلى أنه تم تطبيقها في أرض الإمارات بتقديم النموذج الحي للعالم.

وأوضح أن محاربة الإرهاب تتطلب معالجة من المؤسسات التعليمية لترسيخ قيم التعايش بين الشعوب، مشددا على ضرورة تصدي قادة الأديان للفكر المتطرف.

وقال الدكتور النعيمي، في مداخلة هاتفية مع قناة "سكاي نيوز عربية": "إما أن نصنع عالما يقبل بالتعايش وإما أن نعيش في صراعات وسيكون حينها الجميع خاسرا على حد سواء".

وأضاف: "دورنا الأساسي هو إبراز أن الإسلام دين محبة وسلام وأننا يجب علينا أن نعمل على الاندماج بين كل المجتمعات"، مشددا على ضرورة العمل على صياغة خطاب مشترك يجمعنا كبشر دون تفرقة بيننا.

وطالب الدكتور النعيمي بأن يكون صوت العقل هو السائد في مثل هذا الموقف، في إشارة إلى الهجوم الإرهابي الذي استهدف مسجدين في نيوزيلندا وأسفر عن قتلى وجرحى، وأن نتعاون مع حكومة نيوزيلندا، مؤكدا أن نيوزيلندا بحاجة إلى استراتيجية تختلف عن ذي قبل حتى تضمد جراحها.

ولفت إلى أنه لن يمكن القضاء على الإرهاب إلا بمواجهة التطرف مواجهة شاملة، مؤكدا أنه يجب مجابهة خطاب الكراهية لأنه السبب الرئيسي لهذا الحادث الإرهابي.

وثيقة الأخوة.. حماية دور العبادة

ووثيقة الأخوة الإنسانية تؤسس دستورا جديدا للتعايش السلمي يجمع الشرق بالغرب، يتضمن عدداً من الثوابت والقيم، منها قيم السلام وثقافة التسامح وحماية دور العبادة وحرية الاعتقاد ونشر الأخلاق ومفهوم المواطنة.

وتضمنت الوثيقة التي وقعت داخل أرض دولة الإمارات العربية المتحدة، وشهدت تفاعلاً دولياً وإقليمياً، الضمانات الكفيلة بمحاصرة الإرهاب وفكرته، وتضييق الخناق على كل مسبباته وأسباب وجوده في العالم.

وأكدت الوثيقة حماية دور العبادة، من معابد وكنائس ومساجد، لأنها واجب تكفله كل الأديان والقيم الإنسانية والمواثيق والأعراف الدولية.

وشددت على أن "كل محاولة للتعرض لدور العبادة واستهدافها بالاعتداء أو التفجير أو الهدم، هي خروج صريح عن تعاليم الأديان وانتهاك واضح للقوانين الدولية".

وأكدت الوثيقة ترسيخ مفهوم المواطنة الكاملة في مجتمعاتنا، والتخلي عن الاستخدام الإقصائي لمصطلح "الأقليات"، وحماية حقوق المرأة والاعتراف بحقها في التعليم والعمل وممارسة حقوقها السياسية، وتوفير حقوق الأطفال الأساسية في التنشئة الأسرية والتغذية والتعليم والرعاية وكذلك حماية حقوق المسنين والضعفاء وذوي الاحتياجات الخاصة والمستضعفين.

وتؤكد الوثيقة أن الحياة هبة إلهية وأنه "على الجميع المحافظة عليها منذ بدايتها وحتى نهايتها الطبيعية".

وتشديدا على أهمية الحياة، أدانت الوثيقة الممارسات التي تهدد الحياة كـ"الإبادة الجماعية والعمليات الإرهابية والتهجير القسري والمتاجرة بالأعضاء البشرية والإجهاض وما يطلق عليه الموت اللارحيم والسياسات التي تشجعها".

وحسب الوثيقة "فإن الأديان لم تكن أبدا بريداً للحروب أو باعثة لمشاعر الكراهية والعداء والتعصب، أو مثيرة للعنف وإراقة الدماء".


وطالبت الوثيقة "الجميع بوقف استخدام الأديان في تأجيج الكراهية والعنف والتطرف والتعصب الأعمى، والكف عن استخدام اسم الله لتبرير أعمال القتل والتشريد والإرهاب والبطش".

وركزت الوثيقة على إبراز التعاليم الصحيحة للأديان في أكثر من بند، وربطها بالحفاظ على الحياة والسلام والتسامح.

وأكدت الوثيقة أن "التعاليم الصحيحة للأديان تدعو إلى التمسك بقيم السلام، وإعلاء قيم التعارف المتبادل والأخوة الإنسانية والعيش المشترك، وتكريس الحكمة والعدل والإحسان، وإيقاظ نزعة التدين لدى النشء والشباب، حماية للأجيال الجديدة من سيطرة الفكر المادي، ومن خطر سياسات التربح الأعمى واللامبالاة القائمة على قانون القوة لا على قوة القانون".

وتبرئ الوثيقة الأديان من الإرهاب، مشددة على "أن الإرهاب البغيض الذي يهدد أمن الناس، سواء في الشرق أو الغرب، وفي الشمال أو الجنوب، ويلاحقهم بالفزع والرعب وترقب الأسوأ، ليس نتاجاً للدين، حتى وإن رفع الإرهابيون لافتاته ولبسوا شاراته".

وطالبت الوثيقة "بوقف دعم الحركات الإرهابية بالمال أو السلاح أو التخطيط أو التبرير أو توفير الغطاء الإعلامي لها، واعتبار ذلك من الجرائم الدولية التي تهدد الأمن والسلم العالميين، ويجب إدانة ذلك التطرف بكل أشكاله وصوره".

وقدمت الوثيقة عدداً من الحقائق والمبادئ المهمة، تدعم أهدافها في تحقيق التسامح ونشر السلام والخير في العالم أجمع، وتؤكدها ومن أبرزها:

- أن الحرية حق لكل إنسان: اعتقادا وفكرا وتعبيرا وممارسة، وأن التعددية والاختلاف في الدين واللون والجنس والعرق واللغة حكمة لمشيئة إلهية.

- أن الحوار والتفاهم ونشر ثقافة التسامح وقبول الآخر والتعايش بين الناس، من شأنه أن يسهم في احتواء كثير من المشكلات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والبيئية، والتي تحاصر جزءاً كبيراً من البشر.

وطالبت الوثيقة المؤمنين بالله وبلقائه وحسابه وقادة العالم وصناع السياسات الدولية والاقتصاد العالمي، بالعمل جديا على نشر ثقافة التسامح والتعايش والسلام، والتدخل فوراً لإيقاف سيل الدماء البريئة، ووقف ما يشهده العالم حالياً من حروب وصراعات وتراجع مناخي وانحدار ثقافي وأخلاقي.

كما طالبت الوثيقة المفكرين والفلاسفة ورجال الدين والفنانين والإعلاميين والمبدعين في كل مكان بأن يعيدوا اكتشاف قيم السلام والعدل والخير والجمال والأخوة الإنسانية والعيش المشترك، وليؤكدوا أهميتها كطوق نجاة للجميع، وليسعوا في نشر هذه القيم بين الناس في كل مكان.

واختتمت بإبراز الهدف الأسمى من تطبيقها، في محاولة لتحفيز الجميع على تبنيها والعمل بها وصولاً للنتيجة المتوخاة، وهي "الوصول إلى سلام عالمي ينعم به الجميع في هذه الحياة".

تعليقات