مجتمع

صندوق زايد وجائزة الأخوة الإنسانية

الأحد 2019.2.17 04:46 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 581قراءة
  • 0 تعليق

لعل قادة دولة الإمارات العربية المتحدة ينطبق عليهم ما فاه به المناضل العروبي الكبير عبدالرحمن الكواكبي، حين تحدث عن القادة الذين يفكرون بعزم ويعملون بحزم، ينبهون الناس ويرفعون الالتباس، ولا ينفكون إلا حين ينالون ما يقصدون.

المحبة لا تسقط أبداً، وما بين "صندوق زايد العالمي للتعايش" و"جائزة الأخوة الإنسانية" مسافة طيبة لأصحاب النوايا الصالحة للالتقاء والنماء.. معاً يمكن أن نغير المستقبل.. معاً نستطيع
هذه السطور في واقع الحال تأخرت بعض الشيء بسبب تطورات المشاهد السياسية المتصلة بمآلات الشرق الأوسط والخليج العربي والعالم برمته، من قمة وارسو وصولا إلى لقاء ميونيخ للأمن الدولي، ولهذا بالفعل يتوجب الاعتذار للقارئ صاحب الحق الأول على أي كاتب يتابع بعين محققة ومدققة في علامات الأزمنة ومساقات الأحداث.

ولا تتبنى دولة الإمارات وقادتها مبادرات دولية من منطلقات عاطفية تنتهي جدواها بانتهاء أوقاتها وانعقادها على أرض التسامح، بل تبدأ بعد الإعلان الرسمي عن نهاية الأجواء الاحتفالية، وأحياناً تنطلق مقررات ومقدرات المستقبل في ثنايا وحنايا الفعاليات الإماراتية الكبرى.

ما حدث على هامش زيارة البابا فرنسيس بابا الكنيسة الكاثوليكية إلى الإمارات وما بعد الزيارة يؤكد وجهة نظري، فخلال أيام الزيارة أطلق سمو الشيخ محمد بن راشد جائزة الأخوة الإنسانية من دار زايد، والتي ستكرم في كل دورة شخصيات ومؤسسات عالمية بذلت جهوداً صادقة في تقريب الناس إلى بعضها البعض.

كان الفائزان الأوليان بجائزة الأخوة الإنسانية هما عمودا خيمة التسامح التي أقامتها الإمارات على أراضيها مؤخراً، ليستظل بها العالم من هجير صحراء الكراهية ونيران الشعبويات القاتلة، ولتضحى للأمم والشعوب ملاذاً من إرهاب الأصوليات المتشددة بمعناها ومبناها السلبيين، أي البابا فرنسيس وشيخ الأزهر فضيلة الإمام أحمد الطيب.

لقد أهدى الشيخ محمد بن راشد الجائزة للضيفين الكريمين، وفتح الأبواب في المستقبل القريب والمتوسط والبعيد على حد سواء لأصحاب الهمم العالية، ملاك الروح الطيبة والوداعة والروحانية، الخيرون والمغيرون، المتسامحون الصادقون مع الذات ومع الآخرين، دون زيف أو رياء، ليفوزوا بتكريمه، ولتضحى الجائزة تشريفاً أول الأمر، وتكليفاً في تاليه لمتابعة مسيرة إنسانية خلاقة، مسيرة تجمع ولا تفرق، وتشرح الاختلافات وتبين التعددية، دون أن تجرح عقيدة أو تثير مشاعر طائفة.

يمكن القطع بأن محمد بن راشد بتكريسه جائزة الأخوة الإنسانية يرسي من جديد مساقات الوسطية والاعتدال، وعالمية القيم ورفضه المطلق الغلو والتشدد، وهو الحريص دوماً على تأكيد الرسالة المشتركة للأديان التي تدعو إلى سعة التعايش، بعيداً عن الكراهية ونبذ الآخر، والتعارف بديلاً عن مصارع الانغلاق.

في نهاية القداس الإلهي -الذي أقيم على أرض ملعب مدينة زايد الرياضية- ودع البابا كبار رجال الدولة في مطار الرئاسة، وفي مقدمتهم سمو ولي العهد الشيخ محمد بن زايد، وعلى متن الطائرة التي أقلت البابا عائداً إلى روما كان البابا يصف اليوم بأنه تاريخي، ويثني كل الثناء على الرجالات الذين استقبلوه وفتحوا له قلوبهم قبل دورهم.

الفعل الإيجابي والخلاق بدوره لسمو الشيخ محمد بن زايد لم يتأخر طويلاً، فقد أمر بتأسيس "صندوق زايد العالمي للتعايش"، وما أجمل الاسم والاختيار، ذاك المرتبط بزايد سردية الخير والكرم، التسامح والمودة طوال تاريخه، وبالدور المنوط به هذا الصندوق في هذه الأوقات الحرجة تحديداً.
وقد هدف "صندوق زايد" إلى تعزيز ثقافة التعايش السلمي والتآخي الإنساني بين الأفراد والشعوب، كامتداد لوثيقة الأخوة الإنسانية التي وقع عليها البابا والشيخ ليدعم المبادرات العالمية التي تستقي نهجهاً من الوثيقة، ولتوسيع قاعدة المشتركات الإنسانية ونشر ثقافة السلام والتسامح في مختلف بقاع العالم.

يدرك الشيخ محمد بن زايد بأن التعليم هو الخطوة والركيزة الأولى في بناء مجتمع متسامح، ولهذا سيعمل الصندوق على دعم جهود تطوير المناهج التعليمية لتعزيز قيمة الأخوة الإنسانية، وغرسها في نفوس الطلبة، كما سيخصص منحاً دراسية لطلبة الدراسات العليا لحثهم على إجراء البحوث العلمية في المبادئ الواردة في الوثيقة، وتوفير برامج لتدريب وتطوير المعلمين في مختلف المراحل التعليمية ليكونوا رسلاً للتواصل والتفاهم، ويرسخوا القيم الحضارية التي احتوتها الوثيقة.

كما يكون الرعاة هكذا تمضي الرعية، ذلك أنه بمجرد انتهاء الزيارة بدأ مجلس حكماء المسلمين باتخاذ الإجراءات اللازمة؛ حيث صرح الدكتور سلطان فيصل الرميثي، الأمين العام للمجلس، باتخاذ الإجراءات الفورية لنشر بنود الوثيقة الإنسانية، وأكد أن المرحلة المقبلة سوف تتضمن عقد لقاءات وندوات وورش عمل مع المؤسسات والقيادات الدينية في العالم، لتعميم بنود الوثيقة على أوسع نطاق.

من النادر جدا أن يوجه بابا الفاتيكان كلمات متلفزة إلى تجمعات أو مؤتمرات تجري حول العالم، لكن من الواضح أن الإمارات بات لها في قلب وعقل البابا مكانة خاصة من المودة والاحترام والتقدير، لما لمسه من رغبة حقيقية في تغيير مسارات العالم المضطرب ما بين القوميات والشعبويات والأصوليات.

في هذا الإطار جاءت كلمة الحبر الأعظم إلى مؤتمر القمة العالمية للحكومات في دبي الأيام الماضية؛ حيث أكد أنه لا تنمية دون تضامن حقيقي، داعياً حكومات العالم إلى تأكيد التزامهم في مواجهة القضايا الجوهرية كالتحديات السياسية والاقتصادية والبيئية والتكنولوجية.

فرنسيس رجل الفقراء ومن جديد ينبه العالم إلى أننا لا نستطيع في الواقع أن نتكلم عن تنمية مستدامة دون تضامن حقيقي وفاعل بين الأجيال المختلفة، وفي نهاية كلمته كان بمحبة قلبية يستمطر بركات السماء على الملتزمين في دبي بتصحيح أوضاع العالم المختلة، وجعله عالماً أكثر عدلاً وازدهاراً للجميع.

الخلاصة.. المحبة لا تسقط أبداً، وما بين "صندوق زايد العالمي للتعايش" و"جائزة الأخوة الإنسانية" مسافة طيبة لأصحاب النوايا الصالحة للالتقاء والنماء.. معاً يمكن أن نغير المستقبل.. معاً نستطيع.

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات