من أهم ما تكشفه اللحظات الحرجة في حياة الدول أنها لا تختبر فقط مدى جاهزية الجيوش أو كفاءة المنظومات الدفاعية، بل تكشف أيضًا عن تماسك النموذج الوطني.
كما تكشف عن قدرة النموذج الوطني على الجمع بين عناصر قد تبدو متباعدة ظاهريًا: بين الردع والشرعية، وبين الهيبة والجاذبية، وبين القدرة على الحماية والقدرة على الإلهام.
بل تكشف أيضًا عن تماسك النموذج الوطني وقدرته على الجمع بين عناصر قد تبدو متباعدة ظاهريًا: بين الردع والشرعية، وبين الهيبة والجاذبية، وبين القدرة على الحماية والقدرة على الإلهام.
وفي هذا السياق، تبدو دولة الإمارات العربية المتحدة حالة متميزة في العالم المعاصر، لأنها استطاعت أن تبني، على نحو نادر، نموذجًا تتكامل فيه القوة الصلبة مع القوة الناعمة، دون أن تطغى إحداهما على الأخرى أو تأتي على حسابها.
فحين يطرح المتخصصون في شؤون الخليج سؤالًا مشروعًا عمّا إذا كانت التطورات الأخيرة قد أثبتت جاهزية الإمارات الدفاعية ونجاعة بنيتها العسكرية والأمنية، فإن الجواب لا يبدو تقنيًا فقط، بل سياسيًا واستراتيجيًا أيضًا: نعم، لقد أثبتت الإمارات أنها ليست مجرد دولة ازدهار وتنمية ونجاح اقتصادي، بل دولة جاهزة، صلبة، وقادرة على حماية أمنها وسيادتها ومصالحها العليا.
وهذه الحقيقة بالذات هي ما يمنح التجربة الإماراتية طابعها الخاص؛ إذ إن كثيرًا من الدول تنجح في بناء صورة جذابة وواجهة حضارية متقدمة، لكنها تبقى رخوة حين يتعلق الأمر بالتهديدات الأمنية، فيما تنجح دول أخرى في بناء قدرات ردعية وعسكرية معتبرة، لكنها تفشل في إنتاج نموذج ملهم أو مشروع حضاري جاذب. أما الإمارات، فقد نجحت في بناء الاثنين معًا، وهذا هو سر توازنها وقوتها.
ولعل هذا المعنى يتجسد ببلاغة في العبارة الشهيرة للشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، حين قال: «إن الإمارات جميلة وقدوة ولكن جلدها غليظ ولحمها مر».
فهذه العبارة المكثفة لا تُقرأ بوصفها توصيفًا بلاغيًا فحسب، بل باعتبارها تلخيصًا دقيقًا للفلسفة السيادية الإماراتية: دولة جميلة في صورتها، متقدمة في عمرانها، وقدوة في تجربتها التنموية والإنسانية، لكنها في الوقت نفسه دولة تعرف كيف تحمي نفسها، وكيف تضع حدودًا واضحة لمن يحاول اختبار صلابتها أو العبث بأمنها.
وهنا تتضح الطبيعة المركبة للنموذج الإماراتي؛ فالقوة الناعمة في الحالة الإماراتية ليست مجرد دبلوماسية عامة أو حضور إعلامي أو استثمار في الصورة، بل هي امتداد لمنظومة أوسع تشمل النجاح الاقتصادي، والانفتاح الثقافي، والاستقرار الاجتماعي، والقدرة على اجتذاب الثقة والاستثمار والكفاءات العالمية.
أما القوة الصلبة، فهي ليست مجرد تراكم تسليحي أو خطاب أمني، بل تعبير عن وعي سيادي عميق بأن حماية المنجز الحضاري لا تقل أهمية عن بنائه، وأن صيانة الاستقرار تستلزم الجاهزية بقدر ما تستلزم الرؤية.
ومن هنا، فإن الجمع بين القوتين الصلبة والناعمة لا يمثل في التجربة الإماراتية ترفًا نظريًا أو خيارًا تجميليًا، بل هو شرط بقاء وتأثير في بيئة إقليمية مضطربة، تتداخل فيها التهديدات التقليدية مع المخاطر غير المتناظرة، وتُختبر فيها الدول بقدرتها على الصمود بقدر ما تُختبر بقدرتها على الإنجاز.
فالدولة التي تريد أن تكون محترمة ومؤثرة في عالم اليوم لا يكفيها أن تُلهم، بل يجب أيضًا أن تردع؛ ولا يكفيها أن تكون مقصدًا للثقة والاستثمار والنخب، بل ينبغي كذلك أن تكون عصية على الابتزاز والاختراق والاستهداف.
وبهذا المعنى، فإن ما أثبتته الإمارات، خصوصًا في أوقات التوتر والحرب، هو أنها لم تبنِ مجرد قصة نجاح اقتصادي أو عمراني، بل بنت معادلة سيادية متكاملة: دولة جميلة في صورتها، عميقة في رسالتها، وحازمة في دفاعها عن نفسها. وتلك، في عالم اليوم، ليست فقط معادلة نادرة، بل أحد أهم أسرار القوة الحقيقية.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة