بعيداً عن الحروب السيارة، والمسيرات الطيارة، والبارود المعبق الأجواء، وفي مدارات الفلاسفة والحكماء، وإن غير بعيد عن عالمنا المشتعل، ربما يعن لنا أن نتساءل.
والسؤال هو؛ هل قرنان من الهيمنة الغربية على عتبات عالم متعدد الأقطاب أم متنوع الحضارات كروافد لتشكيل مسارات نظام أممي جديد؟
كثيراً ما يوصف مطلع القرن الحادي والعشرين بأنه زمن العودة إلى التعددية القطبية، حيث عالم تتوزع فيه السلطة بين عدة دول كبرى بدلاً من تركيزها في يد قوة مهيمنة واحدة. غير أن التغيرات التي تتكشف الآن، قد تكون أعمق من مجرد إعادة توزيع بسيطة للسلطة الجيوسياسية، وأن ما يتبلور قد لا يكون نظاماً متعدد الأقطاب، بل عالم متنوع الحضارات.
في قراءة معمقة للبروفيسور الصيني تان كونغ بام، عبر موقع "ثينك تشاينا"، نجده يحاجج بأننا ربما إزاء عالم تعود فيه التقاليد الثقافية والفلسفية المختلفة إلى الساحة السياسية العالمية، لتشكل معالم النظام الدولي الجديد.
على مدى المائتي وخمسين عاماً الماضية، هيمنت الحضارة الغربية الأوروبية، ثم الأنجلو-أمريكية، هيمنة طاغية، بعد أن مكنت الثورة الصناعية والتوسع الاستعماري وصعود الرأسمالية الأطلسية، من إعادة تشكيل المؤسسات العالمية وفقاً لأفكارها الخاصة. من عند تلك اللحظة، أضحت الليبرالية، والأسواق الحرة، ونظام الدولة القومية، الإطار المهيمن للتنظيم السياسي لحديث.
"هل كانت هذه الهيمنة هي القاعدة كمسار للتاريخ، أم أنها مثلت مرحلة زمنية بعينها، سوف يقدر لحركة الكون تجاوزها؟"
تخبرنا أضابير التاريخ، أنه قبل العصر الحديث، احتلت الصين والهند موقعين محوريين في الاقتصاد العالمي؛ ففي العام 1820، شكلت هاتان الحضارتان معاً نصف الناتج المحلي الإجمالي العالمي. لكن بحلول منتصف القرن العشرين، ومع إعادة تشكيل التصنيع الغربي والتوسع الإمبراطوري للهيكل الاقتصادي العالمي، انخفضت حصتهما إلى 9%.. ماذا يعني ذلك؟
باختصار غير مخل، تشير هذه الانتقادات إلى أن أطروحة "نهاية التاريخ" لفرانسيس فوكوياما، قد تخطئ ببساطة في اعتبارها أن قرنين من التجربة الغربية يمكن أن ينظر إليهما كمسار حتمي للحضارة الإنسانية.
لا يبدو اليوم شبيهاً بالأمس، بل انقلاب لدوران عجلة التاريخ، فالصين عادت لتتبوأ مكانتها كثاني أكبر اقتصاد في العالم من حيث الناتج الإجمالي الاسمي، والمرتبة الأولى في تعادل القوة الشرائية، بينما الهند تشهد نمواً سريعاً مدفوعاً بحجمها الديموغرافي ونموها الاقتصادي.
هل الأمر هنا ينظر إليه بوصفه تحولاً إحصائياً فحسب؟
بالقطع لا، بل يمثل انتقالاً في النفوذ السياسي، ومع نهضة آسيا، ها هي الحضارات القديمة تعود من جديد إلى ساحة النفوذ العالمي.
في هذا السياق، هناك جزئية مهمة وجوهرية، يبدو أن فوكوياما أغفلها حين جادل بأن الديمقراطية الليبرالية تمثل نهاية التطور الأيديولوجي، لا تظهر في تعاملات الربح والخسارة الحسابية، بل تتمثل في العامل الثقافي والرصيد الحضاري، عطفاً على المعين الفلسفي ومخزون الأمم من الحكمة والتقاليد الإنسانية.
يقطع البروفيسور بام بأن صعود الغرب لم يُبنَ على القوة الاقتصادية والعسكرية فحسب، بل على فلسفة تاريخية جمعت مذاهب الأديان وحضارة الإنسان ومعتقداته.
من هذا المنطلق، وبالتساوق، يضحى رصيد الشعوب الآسيوية من الكونفوشيوسية والبوذية، الطاوية والماوية، وغيرهم الكثير، حاضنة مؤكدة لأفكار إنسانية ساهمت وتساهم في نشوء وارتقاء قوة آسيا المعاصرة، الأمر الذي يعني خطأ المصادرة على التاريخ التي ارتآها فوكوياما.
ما يجعل قادم الأيام مرشحاً لأن يكون عالماً متنوع الحضارات بأكثر منه فقط متعدد الأقطاب من وجهة نظر سياسية مؤدلجة فحسب، إمكانية قبول أفكار حضارية صينية وهندية لمسارات التاريخ الإنساني.
خذ إليك على سبيل المثال رؤية الفكر السياسي الصيني التقليدي لحركة التاريخ، إذ ينظر إليه على أنه مسار دوري، تنشأ فيه السلالات الحاكمة، وتزدهر، ثم تتدهور وتنهار، ليحل محلها سلالات جديدة. وفي القلب من الحكمة الصينية، ما يشبه الجملة الشرطية، حيث تعتبر أن "السماء" تمنح تفويض الشرعية للحكام، لكنه ليس تفويضاً دائماً بل موصولاً بالحكم الرشيد.
أما نظيرتها الهندية، فتقدم مفهوماً كونياً أوسع نطاقاً للزمن، ذلك أن مفهوم "اليوجا" الهندوسي يصف دورات كونية هائلة؛ فالتاريخ ليس خطياً، بل يتكشف عبر دورات متكررة من الصعود والهبوط على مدى فترات زمنية طويلة.
غير أن الموضوعية ونحن في سياق البحث عن مآلات النظام العالمي الجديد القادم، عبر الغموض وعدم اليقين الآنيين، ومع صحوة الشرق الآسيوي، تقتضي أن نتساءل: "هل يعني ذلك أن الحضارة الغربية، بدوائرها وحواضنها، باتت خلواً من أي معطيات خلاقة لإنسانيتنا المعاصرة؟"
إلى قراءة متممة ومكملة.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة