في كل عام تحلّ علينا ذكرى عيد الاتحاد، تستحضر الذاكرة تلك اللحظة التاريخية التي جمع فيها القائد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، إرادة الاتحاد ورسم ملامح دولة وُلدت من رؤية صادقة، وطموح لا يعرف المستحيل مع إخوانه المؤسسين.
وفي هذه الأيام، تفيض مشاعر الفخر والانتماء لدى أبناء الإمارات والمقيمين فيها، وهم يشهدون حجم ما تحقق على أرض هذا الوطن من أمن وتقدم وازدهار ونمو حضاري يضع الإمارات في مصاف الدول الرائدة.
وتتواصل اليوم هذه المسيرة تحت قيادة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، الذي رسّخ معالم نهج يستند إلى القوة المتوازنة، والتنمية الشاملة، والبعد الإنساني، والدور الفاعل على المستوى الإقليمي والدولي.
فالإمارات لم تعد مجرد نموذج تنموي ناجح، بل تجربة متكاملة في بناء الدولة الحديثة القوية المتطورة، تجمع بين الاستقرار السياسي، والفاعلية العربية والدولية، والانفتاح العالمي، والرؤى المستقبلية التي ترتكز على الاقتصاد المتنوع، والتنمية المستدامة، ورعاية الإنسان في كل مراحل حياته.
الإمارات في محيطها العربي
تبرز دولة الإمارات العربية المتحدة دائمًا كقوة عربية فاعلة في محيطها الإقليمي الخليجي والعربي والشرق أوسطي، إذ شاركت تاريخيًا وما زالت في دعم القضايا العربية وعلى رأسها القضية الفلسطينية، وأسهمت في مواقف مفصلية مثل حرب 1973 ومساندة مصر في عودتها إلى الصف العربي، كما لعبت دورًا محورياً في رأب الصدع العربي خلال أزمات عدة كاحتلال الكويت، ولها أدوار مشهودة في دعم الاستقرار في فترة الربيع العربي.
وعلى مستوى منطقة الخليج، كانت الإمارات ركيزة لأمنه عبر دعمها وجهودها في تأسيس منظمة مجلس التعاون وتجاوز الخلافات، إضافة إلى تبنيها نهج الحوار مع إيران ودعمها لعودة العراق إلى دوره العربي، وتمتد جهودها إلى الميدان التنموي والإنساني، حيث أصبحت نموذجًا عربيًا في بناء الدولة الحديثة وقوة ناعمة تعزز استقرار العالم العربي وتدعم طموحه نحو التكتل والتعاون السياسي والاقتصادي.
نظرية الإوز الطائر في العلاقات الدولية والتجربة الإماراتية
تعد نظرية الإوز الطائر إحدى النظريات المعاصرة في العلاقات الدولية، وتستخدم لوصف انتشار موجة التصنيع في آسيا بقيادة اليابان.
بحسب هذه النظرية، بدأت اليابان باستيراد تكنولوجيا النسيج من إنجلترا قبل الحرب العالمية الأولى، ثم تحولت إلى تصنيع وتصدير السيارات والتكنولوجيا المتقدمة.
بعد ذلك، انتشرت الشركات اليابانية إلى دول مثل تايوان وكوريا الجنوبية وسنغافورة وهونغ كونغ، مما ساهم في تحقيق "المعجزة الاقتصادية" لهذه الدول، وأصبح هذا النموذج يُعرف باسم "نمور آسيا".
تطبيق هذه النظرية على دولة الإمارات يظهر في دورها الريادي في تحقيق التنمية المستدامة على المستوى المحلي والدولي. تحت قيادة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات تسعى الإمارات إلى تعزيز مكانتها كرائد عالمي في التنمية المستدامة، من خلال رؤية شاملة تتناول الاقتصاد والمجتمع والبيئة، فالتنمية المستدامة، حسب تعريف الأمم المتحدة عام 1987، تعني تلبية احتياجات الحاضر دون الإضرار بقدرة الأجيال المقبلة على تلبية احتياجاتها.
محاور التنمية المستدامة في سياسات الإمارات
1. البيئة: تسعى دولة الإمارات للحد من الانبعاثات الضارة ومعالجة النفايات بطرق سليمة، وتشجيع إعادة التدوير. كما تولي اهتمامًا كبيرًا بالمياه العذبة ومعالجتها، وبناء السدود وتحلية المياه بطريقة تحافظ على البيئة البحرية. كذلك، تهتم الدولة بزراعة الأشجار والنباتات المحلية التي تتكيف مع قلة المياه، بما يسهم في الأمن المائي، وهو جزء مهم من الأمن القومي والهوية الوطنية أيضًا.
2. الاقتصاد: تسعى الإمارات لتنويع مصادرها الاقتصادية بعيدًا عن النفط، وعبر استغلال عوائد المورد نفسه، ويتحقق ذلك من خلال الصناديق السيادية الحكومية، وتطوير الموانئ وخطوط الطيران، وإنشاء المصانع، وإعادة التصدير، واستثمار الطاقة المتجددة مثل الطاقة الشمسية والنووية السلمية.
كما تهتم دولة الإمارات بتطوير القوى البشرية من خلال التعليم والمعرفة، وتوفير الوسائل الداعمة كالذكاء الاصطناعي، والبعثات الدراسية، ما يعزز القدرة على الابتكار والصناعة والتجارة والتكنولوجيا والجودة واتخاذ القرارات السليمة، على سبيل المثال مفاعل "براكة" الإماراتي النووي-وهو أول مفاعل نووي متكامل في الوطن العربي- يسهم في توفير الطاقة المستدامة لدعم التنمية الصناعية والخدماتية، كما تعد الإمارات نشطة في إطار صناعة البطاريات والتكنولوجيات المتعددة، والألواح الشمسية إضافة إلى دخول الذكاء الاصطناعي في مجالات التنمية الشاملة، ويشهد لها بقوة إدراكها لقراءة المتغيرات الدولية المختلفة والمتعددة.
3. التخطيط العمراني: تعتمد الإمارات على استغلال المساحات بشكل فعال، مع شبكات أساسية وآمنة للكهرباء والماء والغاز والصرف الصحي، مع مراعاة الاستدامة البيئية وإعادة استخدام المرافق والمباني لتحقيق القيمة المضافة. كما تسعى دولة الإمارات إلى تحويل النفايات إلى صناعات قابلة للتصدير، ما يعكس التكامل بين البيئة والاقتصاد والتخطيط العمراني.
4. المجتمع والتشريعات: تولي الإمارات اهتمامًا كبيرًا بحقوق الإنسان والطفل، وتعزيز المساواة بين الجنسين، وتحافظ على التراث والهوية الوطنية. كما تعمل على الحد من الجريمة والعنف، وتشجع على التسامح مع الجاليات الأجنبية، بما يجعل الإمارات مجتمعًا منفتحًا ومتنوعًا، قادرًا على الاستفادة من الخبرات العالمية دون فقدان الهوية الوطنية.
البعد الإنساني لدولة الإمارات
عبر حالات الكوارث والمخاطر الطبيعية والمعيشية والأمنية والحروب في بعض مناطق العالم، تجد الإمارات من السباقين إلى مد جسور الدعم والمساندة المختلفة والمتعددة، حيث تعتبر الإمارات من أكثر وأكبر داعمي الشعوب في مكافحة الفقر ومواجهة الأزمات وتحقيق التنمية. لذلك تنظر بعض الدول في خلافاتها إلى توقيت الساعة في الإمارات لتتحرك إليها، لما تحمله الإمارات من مساعي حميدة وقوة دبلوماسية في حل الخلافات والنزاعات بين الدول.
سياسات العدالة وتمكين كل فئات المجتمع
تدعم الإمارات كل فئات المجتمع من الطفل وكبار السن والشباب والمرأة إلى ذوي الشهداء وغيرهم كمحدودي الدخل. وفي هذا الإطار، نضرب مثالًا للتوضيح وإبراز ما وصلت إليه الدولة، حيث أصبحت الإمارات نموذجًا رائدًا في دعم أصحاب الهمم عبر تبني سياسات وتشريعات تنسجم مع اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة لعام 2006، والتي تعمل على تعزيز الدمج المجتمعي والتمكين.
ومنذ إطلاق مصطلح "أصحاب الهمم" عام 2016، اتجهت الدولة نحو رؤية أكثر إنصافًا لهذه الفئة، وجاءت استراتيجية أبوظبي الدامجة عام 2020 لتجسد هذا النهج عبر التحول من المنظور الطبي للإعاقة إلى المنظور الاجتماعي. وتوفر الاستراتيجية منظومة شاملة من الخدمات في الصحة والتعليم والتأهيل والتوظيف، إضافة إلى ضمان سهولة الوصول للمرافق والنقل والتقنيات الذكية، كل ذلك يعتبر تأكيدًا على أن أصحاب الهمم جزء أصيل من نسيج المجتمع وطاقته التنموية.
من السياسات العامة المشهودة في المجتمع تأتي الأجندة الوطنية لنمو الأسرة 2031، وهي خطة وطنية شاملة تهدف إلى تعزيز نمو واستقرار الأسرة الإماراتية بوصفها حجر الأساس في بناء المجتمع. وترتكز على ثلاث ركائز رئيسية: تعزيز هوية الأسرة وترسيخ قيمها في المجتمع، وتهيئة بيئة داعمة لتأسيس الأسرة ونموها على المستويات الاجتماعية والاقتصادية والصحية، وتمكين الأسرة ودعم العلاقات الأسرية بما يشجع الزواج والإنجاب.
كما تعتمد الأجندة على مسارات تنفيذية تشمل تطوير السياسات الداعمة، ومعالجة التحديات السلوكية، وتعزيز الصحة الإنجابية، وتهدف بحلول عام 2031 إلى رفع معدلات الزواج والمواليد وتعزيز التماسك والقيم الأسرية في المجتمع الإماراتي.
الإمارات.. رؤية قيادة ومسيرة ازدهار مستدام
ختامًا، تبرهن دولة الإمارات، منذ قيام الاتحاد وحتى اليوم، أنها نموذج فريد في بناء الدولة الحديثة والمتطورة والعادلة لكافة فئات المجتمع، والتي تجمع بين التنمية المستدامة والنهج الإنساني والقوة الدبلوماسية وترسيخ الهوية الوطنية. وقد استطاعت، بفضل قيادة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات ورؤية الإمارات الطموحة بعيدة المدى، أن تحقق إنجازات راسخة في الاقتصاد والمجتمع والبيئة والدبلوماسية، وأن تعزز مكانتها قوةً عربيةً وشرق أوسطية ودولية فاعلة.
ومع كل عيد وطني، تتجدد في نفوس أبنائها روح الولاء والانتماء، وتتجدد في مسيرتها إرادة العطاء والتقدم نحو مستقبل أكثر إشراقًا وازدهارًا.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة