يمثل الثلاثون من نوفمبر/تشرين الثاني في دولة الإمارات يوماً فاصلاً في الوجدان الوطني؛ فهو ليس مجرد تاريخ يُسجَّل في التقويم، بل لحظة تتجدد فيها معاني الوفاء والاعتزاز لمن قدّموا أرواحهم دفاعاً عن الوطن، وتحت راية الوطن.
فمهما اختلفت ظروف الإماراتيين في هذا اليوم، وأينما وُجدوا، فإنهم يقفون بصمتٍ مهيب أمام ذكرى الشهداء، يتشاركون مشاعر الفخر والدعاء والامتنان، ويستحضرون بطولات رجال أخلصوا لوطنهم حتى النفس الأخير.
وقد ارتبط هذا اليوم بذكرى سقوط أول شهيد للإمارات في 30 نوفمبر 1971، ليصبح تخليداً رمزياً لكل شهيد منذ ذلك اليوم وحتى اليوم، ولتتجسد في هذا التاريخ قصة وطن يحفظ أبناءه الذين حمَوه في ميادين الواجب.
الشهداء… مقامات العز والخلود
أيها الشهداء…
أنتم الذين رفعتم مقام الوطن في السماء، وأنتم الذين وقفتم في وجه الموت بقلوب ثابتة وإيمان راسخ. لقد سطّرتم بدمائكم صفحات مجيدة تُدرَّس في الوطنية والولاء، وكأنكم ببطولتكم تقولون: من هذه الأرض خرجنا، ولأجل عزّتها نعود شهداء.
ولئن فاضت العيون حزناً لفراقكم، فإن ابتسامة الرضا ترتسم في الوجوه ذاتها، لأن مكانتكم عند ربكم ثم عند شعبكم وأمتكم، مكانة لا يبلغها إلا من قدّم أغلى ما يملك. يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾
أسر الشهداء… شرف يحمله الجميع
كل بيتٍ قدّم شهيداً، ارتفع في أعين الوطن مقاماً وقدراً. فزوجاتهم وأبناؤهم وآباؤهم وأمهاتهم يحملون شرفاً عظيماً، وتحتضنهم الدولة برعاية لا تنقطع، تُترجمها سياسات وبرامج تعليمية وتربوية ومالية ومجتمعية تعزز استقرارهم وتُكرّم تضحياتهم. فقد أصبحت خدمة أسر الشهداء مسؤولية وطنية راسخة، لا تعبيراً عن الامتنان فقط، بل اعترافاً بأن تضحيات الشهداء باقية في ذاكرة الوطن.
واحة الكرامة… ذاكرة لا تنطفئ
للشهداء رمز خالد يتوسط قلب العاصمة؛ النصب التذكاري «واحة الكرامة»، الذي أطلق اسمه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله. فهنا تلتقي العائلات والزوار من مواطنين وسكان ووفود ليقفوا أمام لوحة معمارية تُجسّد البطولة والوطنية، حيث يجسّد الشهيد أعلى درجات الانتماء للوطن، فمن واحة الكرامة تُغذي روح الانتماء، وتُذكر الجميع بأن حب الوطن ليس شعاراً، بل تضحية وسيرة ومسار، فحب الوطن من حب الله تعالى.
الوطنية… فعلٌ لا قول
لقد علّمنا الشهداء أن الانتماء للوطن ليس مجرد كلمات وأشعار، بل هو عمل، وجهد، وولاء، وإخلاص. فشعب الإمارات، في علمه وعمله وخدمته، يجسد هذا الانتماء يومياً، ويحفظ العهد الذي قطعه الشهداء بأرواحهم. أما الشهداء أنفسهم، فقد بلغوا ذروة العطاء، وأصبحوا أعلى المقاييس في الوطنية والوفاء.
ولا يمر يومٌ وطني، ولا تُرفع راية، ولا يُرفع أذان، ولا يُحتفل بمناسبة وطنية، إلا ويُستحضر ذكرهم ويدعى لهم بالرحمة والمغفرة. كما سُطرت قصصهم في المناهج التعليمية لتبقى قدوة للأجيال، وتظل تضحياتهم نبراساً للمستقبل.
ذاكرة تتجدد ووطنٌ يزداد قوة
مهما مرّت السنون، سيبقى يوم الشهيد يوماً يتجدد فيه الوفاء، ويزداد فيه الوطن قوة بوحدة شعبه وولائهم. سيظل الإماراتيون يقفون في 30 نوفمبر من كل عام وقفة عز وفخر، يرفعون رؤوسهم تقديراً لشهداء الوطن الذين سيبقون خالدين في الذاكرة، وفي الأرض التي حمَوها، وفي القلوب التي تحمل لهم الدعاء والامتنان.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة