الإمارات في «أوسلو».. رؤية ثابتة لإرساء السلام بالسودان (خاص)
دعم مسار مدني سوداني شامل باعتباره السبيل الوحيد لإنهاء الحرب وتحقيق سلام مستدام، ركيزة ثابتة في المقاربة الإماراتية تجاه الأزمة السودانية، سبق وحملتها إلى محافل إقليمية ودولية عدة، مؤكدة ضرورة انتهاجها سبيلا لحلحلة «أكبر أزمة إنسانية في العالم».
آخر تلك المحطات، كانت في منتدى أوسلو الذي عقد في النرويج، حيث أعاد الشيخ شخبوط بن نهيان آل نهيان، وزير دولة، طرح رؤية دولة الإمارات، في حل الأزمة السودانية، أمام عدد من المسؤولين وصنّاع القرار والمبعوثين الدوليين والخبراء المعنيين بملفات الوساطة والسلام.
رؤية ترتكز على:
- تشكيل حكومة مدنية مستقلة تلبي تطلعات الشعب السوداني نحو الأمن والاستقرار والحياة الكريمة
- التوصل إلى هدنة إنسانية غير مشروطة
- وقف دائم لإطلاق النار
- تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لمعالجة التداعيات الإنسانية للأزمة والاستجابة لاحتياجات الشعب السوداني
رؤية تعكس حرص دولة الإمارات على المشاركة الفاعلة في الجهود الدولية الرامية إلى دعم الحوار بشأن السودان، وتبادل الرؤى مع الشركاء الإقليميين والدوليين حول السبل الكفيلة بإنهاء الحرب.
ليست وليدة اللحظة
تلك الرؤية ليست وليدة اللحظة، فمنذ اندلاع الصراع في أبريل/نيسان 2023، أكدت دولة الإمارات في مناسبات عدة، أن إنهاء الصراع لا يمكن أن يتحقق عبر موازين القوة العسكرية، بل من خلال مسار سياسي شامل يقوده المدنيون.

فالدعوة إلى هدنة إنسانية غير مشروطة، ووقف دائم لإطلاق النار، وتشكيل حكومة مدنية مستقلة، تمثل امتداداً لمقاربة إماراتية راسخة وضعت حماية المدنيين وإنقاذ مؤسسات الدولة السودانية في صدارة الأول
ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2025، طرح جمال المشرخ، المندوب الدائم لدولة الإمارات لدى الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى في جنيف، خارطة طريق لحل أزمة السودان، من خلال:
- هدنة إنسانية تؤدي إلى وقف دائم لإطلاق النار
- الانتقال لحكومة مستقلة بقيادة مدنية لا تخضع لسيطرة الأطراف المتحاربة.
- وقف فوري لكافة الهجمات ضد المدنيين والتي تمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الإنساني الدولي.
- السماح بدخول المساعدات الإنسانية دون عوائق
- محاسبة المسؤولين عن ارتكاب هذه الفظائع دون استثناء
وخلال «مؤتمر لندن حول السودان» الذي عقد في أبريل/نيسان 2025، طرحت دولة الإمارات رؤيتها لحل الأزمة، مؤكدة أنّ الحل لا يمكن أن يأتي عبر العسكر أو التواطؤ مع الجرائم، بل من خلال عملية سياسية يقودها المدنيون، مدعومة بتحرّك دولي حازم ومساءلة جدّية. شملت تلك الخارطة مكاشفة مهمة لعدد من الأمور لإظهار حقيقة المشكلة وإضاءة الطريق نحو الحل المستدام لها.
لا حل عسكريا
موقف راسخ، نجحت من خلاله دولة الإمارات في تحويل عبارة «لا حل عسكرياً في السودان» من موقف دبلوماسي إلى قاعدة مركزية في النقاش الإقليمي والدولي حول الأزمة، بحسب ضرار الفلاسي عضو المجلس الوطني الاتحادي السابق والمحلل السياسي الإماراتي، الذي أشار إلى أن دولة الإمارات كررت هذا المبدأ في مجلس الأمن، وفي بيانات وزارة الخارجية، وضمن بيان المجموعة الرباعية الذي ضم دولة الإمارات والولايات المتحدة والسعودية ومصر.
وأوضح عضو المجلس الوطني الاتحادي السابق، أن دولة الإمارات لم تطرح هذا المبدأ بوصفه موقفاً نظرياً، بل ربطته بمعادلة واقعية: كلما طال أمد الحرب اتسعت المجاعة والنزوح وانهيار المؤسسات، وبالتالي يصبح أي «نصر عسكري» غير قادر على إنتاج دولة مستقرة أو شرعية مقبولة، مشيرًا إلى أن المقاربة الإماراتية تبدو اليوم أكثر رسوخاً لأنها خاطبت جوهر الأزمة: استحالة بناء سلام دائم من داخل منطق الغلبة العسكرية.

مقاربة عكست الاجتماعات الإقليمية والدولية تقارباً واضحاً معها؛ لأنها أعادت ترتيب الأولويات بالطريقة نفسها التي دعت إليها دولة الإمارات: وقف الحرب أولاً، حماية المدنيين، ثم إطلاق عملية سياسية شاملة تستعيد المسار المدني والديمقراطي.
وقد أكدت دولة الإمارات مراراً أن مستقبل الحكم في السودان يجب أن يقرره السودانيون عبر عملية انتقالية شاملة وشفافة، لا يسيطر عليها أي طرف من طرفي الحرب، يقول الفلاسي.
وأشار إلى أن الحل السياسي الشامل غير الخاضع لمنطق السلاح، أصبح يحظى بقبول أوسع بين قوى سودانية وإقليمية ودولية تبحث عن صيغة لإنهاء الحرب.
دلالات
ويضيف عضو المجلس الوطني الاتحادي السابق، أن الخطاب الإماراتي لم يكن معزولاً عن المزاج السياسي السوداني الباحث عن مخرج، بل كان متقدماً في تشخيصه لطبيعة الأزمة.
فالمبادئ التي دعت إليها دولة الإمارات، مثل وقف إطلاق النار، ورفض الحل العسكري، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات، وإطلاق انتقال مدني مستقل، باتت تظهر في مبادرات سودانية ومنصات حوارية إقليمية ودولية.

من الناحية السياسية، يكتسب هذا التطور أهمية لأنه ينقل النقاش من سؤال «من ينتصر؟» إلى سؤال «كيف تُبنى الدولة بعد الحرب؟»، في نقطة جوهرية بالرؤية الإماراتية؛ إذ ترى دولة الإمارات أن السلام لا يقتصر على إسكات البنادق، بل يتطلب معالجة أسباب الصراع، وبناء مؤسسات شرعية، ومنع اختطاف الدولة من أي طرف مسلح أو أيديولوجي متطرف.
في السياق نفسه، قال المحلل السياسي السوداني النجمي عثمان، في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن الطرح والمقاربة التي سبق وأكدت عليها دولة الإمارات أكثر من مرة، أحد الحلول البارزة التي يمكن جعلها أساسًا لأي تسوية سياسية في السودان.
وأوضح المحلل السياسي السوداني، أن الرؤية الإماراتية التي تنص على أنه لا حل عسكريا، وأن التفاوض سبيل إنهاء الحرب، وضرورة عقد حوار سوداني-سوداني، تكون كل القوى السياسية ممثلة فيه، باستثناء طرفي الحرب، هي السبيل الأوحد لحلحلة الأزمة في البلد الأفريقي.