قمة السبع وأوكرانيا.. ماكرون يعيد تموضع فرنسا بالوساطة الغربية (خبيران)
هامش تحرك فرنسا بملف الوساطة بين أمريكا وأوكرانيا يختزل محاولة لإعادة تموضعها كقوة توازن داخل المعسكر الغربي.
هذا ما يراه خبيران في قراءتهما للتحرك الفرنسي عبر تقريب وجهات النظر بين واشنطن وبروكسل وكييف، خصوصًا في ظل تزايد الخلافات حول طبيعة الدعم العسكري وملف التفاوض مع موسكو.
لكنهما يعتقدان -مع ذلك- أن ما تقدم يظل قائمًا لكنه غير كافٍ وحده لفرض مسار تفاوضي جديد بين واشنطن وكييف.
وفي ظل تطورات متسارعة مرتبطة بالحرب في أوكرانيا، يترقب المجتمع الدولي لقاءً بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.
ويأتي ذلك عقب محادثات أجراها ترامب، الإثنين، مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في سياق تحركات دبلوماسية متزايدة تهدف إلى إعادة فتح قنوات التفاوض.
إعادة بناء التقارب
وفي وقت سابق، أكد الرئيس الفرنسي أن قمة مجموعة السبع المنعقدة في إيفيان تهدف إلى "إعادة بناء التوافق داخل المجموعة" بشأن دعم كييف، في ظل تباين واضح في المواقف بين الدول الأوروبية والولايات المتحدة حول آليات إنهاء الحرب ومسار التفاوض مع روسيا.
وفي قراءته للتطورات والتصريحات، يرى نيكولا تينزر، الباحث في السياسات الدولية وأستاذ العلوم السياسية في معهد العلوم السياسية بباريس، أن فرنسا تحاول "ملء فراغ سياسي داخل المعسكر الغربي" عبر لعب دور وسيط ناعم بين الولايات المتحدة وأوكرانيا.
وفي حديث لـ"العين الإخبارية"، يشدد تينزر على أن نجاح هذا الدور “يبقى مرهونًا بوجود إرادة أمريكية واضحة للتفاوض، وليس فقط إدارة الأزمة".
ويضيف أن قمة مجموعة السبع يمكن أن توفر إطارًا لتقريب المواقف، لكنها “لا تملك أدوات إلزام حقيقية، بل تعمل كمنصة لتنسيق المواقف السياسية أكثر من كونها آلية لحل النزاعات".
ووفق الخبير، فإن أي محاولة فرنسية للوساطة ستظل محكومة بتوازنات القوى داخل الحلف الأطلسي، مشيرًا إلى أن “باريس يمكنها طرح المبادرات وصياغة مساحات للحوار، لكنها لا تستطيع فرض مخرجات على واشنطن أو كييف أو حتى داخل الاتحاد الأوروبي".
ويعتبر أن هذا الدور، رغم محدوديته، يمنح فرنسا هامش تأثير دبلوماسي مهم في لحظات الانسداد السياسي.
"واقعي لكن محدود”
الباحث يرى أيضا أن إدارة ملف الحرب الأوكرانية داخل إطار مجموعة السبع تعكس انتقالًا تدريجيًا نحو "دبلوماسية الأزمات” بدل الحلول الحاسمة، حيث تصبح القمم الدولية فضاءات لإعادة ترتيب الأولويات أكثر من كونها منصات لإطلاق تسويات نهائية.
ولفت إلى أن استمرار الانقسام الغربي حول طبيعة التعامل مع روسيا سيجعل من أي وساطة فرنسية “مهمة معقدة تحتاج إلى تراكم سياسي طويل أكثر من كونها مبادرة ظرفية".
من جانبه، يقول فرنسوا هيزبورغ المستشار الخاص في مؤسسة البحث الاستراتيجي بالمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، إن دور فرنسا في الوساطة "واقعي لكنه محدود".
ويوضح هيزبورغ، في حديثه لـ"العين الإخبارية"، أن الخلافات داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) وبين واشنطن والعواصم الأوروبية، تجعل أي وساطة فرنسية "جزئية وليست حاسمة".
وأشار إلى أن أي تقدم محتمل في الملف الأوكراني سيعتمد على "تفاهم أمريكي-أوروبي مسبق"، وليس على مبادرات منفردة، معتبرًا أن دور باريس الأساسي يتمثل في “منع الانقسام داخل الغرب أكثر من قيادة مفاوضات سلام مباشرة".
ولفت إلى أن قدرة فرنسا على لعب دور وساطة فعّال داخل إطار مجموعة السبع تبقى محدودة من حيث إلزامية القرارات، لكنها مؤثرة سياسيًا، نظرًا لكون القمة منصة تنسيق بين القوى الاقتصادية الكبرى، ما يسمح بإنتاج تفاهمات تدريجية أكثر من كونها اتفاقات ملزمة.
ضغط النووي والطاقة
وتأتي هذه التحركات في وقت تتصاعد فيه المخاوف من تطورات ميدانية خطيرة، أبرزها الانقطاعات المتكررة في محطة زابوريجيا النووية، إضافة إلى استمرار تداعيات الحرب على الأمن الأوروبي وأسواق الطاقة، ما يزيد من الضغط على العواصم الغربية لإيجاد صيغة تفاهم سياسي أوسع.
ويعتبر هيزبورغ أن فرنسا بقيادة ماكرون لا تسعى فقط إلى لعب دور "الوسيط التقليدي"، بل إلى إعادة صياغة موقعها داخل النظام الغربي نفسه، عبر تحويل قمة مجموعة السبع إلى منصة لإعادة ضبط التوازن بين الدعم العسكري لأوكرانيا ومسار التفاوض السياسي مع روسيا، في ظل انقسام متزايد داخل المعسكر الغربي.