كواليس إقالة وزير دفاع أوكرانيا.. صراع يعيد رسم عقيدة الحرب
في سعيه الحثيث لترسيخ مكانة الطائرات المسيّرة في ساحة المعركة، تمكن وزير الدفاع الأوكراني المُقال ميخايلو فيدوروف، من اكتساب شعبية واسعة، ليس فقط بفضل سياساته العسكرية، بل أيضًا على المستوى الشعبي.
شعبية ربما كانت أحد الأسباب التي عجلت بسقوطه هذا الأسبوع، بعدما اختار الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الوقوف إلى جانب قائد الجيش في مواجهة وُصفت بأنها واحدة من أكبر الصراعات داخل القيادة الأوكرانية منذ اندلاع الحرب، بحسب محللين سياسيين ومعارضين.
وأدى قرار زيلينسكي بإقالة فيدوروف (35 عامًا) إلى إبعاد شخصية برزت باعتبارها منافسًا سياسيًا محتملاً، بعدما استحوذت على اهتمام الرأي العام، تقول صحيفة «نيويورك تايمز».
توقيت حساس
جاءت الإقالة في توقيت حساس، إذ ساهمت حرب المسيّرات في ترجيح كفة أوكرانيا في عدد من الجبهات، كما عكست الخطوة تحفظات الرئيس على رؤية فيدوروف، الذي كان يعتبر أن الطائرات المسيّرة يجب أن تشكل الركيزة الأساسية لمستقبل الحرب الأوكرانية.
كما جاءت بعد أن أوقف فيدوروف شراء ذخائر المدفعية التقليدية لصالح توسيع مشتريات المسيّرات، في حين أصر القائد العام للقوات المسلحة الأوكرانية، الجنرال أوليكسندر سيرسكي، على أن الذخائر التقليدية لا تزال ضرورية في معارك الخنادق الدامية شرق البلاد.

وقال النائب المعارض ميكولا دافيديوك، عضو حزب «هولوس» المعارض، إن «شعبية الطائرات المسيّرة هي المشكلة» التي أدت إلى إبعاد فيدوروف.
وأضاف أن الوزير السابق أصبح «مشكلة وخطرًا» بالنسبة إلى زيلينسكي، بعدما تبنى مشروعًا لإعادة هيكلة الجيش اعتمادًا على التكنولوجيا بشكل شبه كامل، وهي رؤية حظيت بتأييد شعبي واسع، لكنها اصطدمت برفض القيادة العسكرية التي تدير الحرب على الأرض.
وسياسيًا، تتماشى الإقالة مع نمط اتبعه زيلينسكي خلال الحرب، تمثل في إبعاد شخصيات يُنظر إليها باعتبارها منافسين محتملين، رغم أن أيًا منهم، بمن فيهم فيدوروف، لم يعلن طموحات سياسية علنية، تضيف الصحيفة الأمريكية.
ويقول دافيديوك إن مستشاري الرئيس أقنعوه بأن فيدوروف استحوذ على اهتمام الرأي العام بفضل برنامج الطائرات المسيّرة.
ورغم أن القرار أثار ارتباكًا وغضبًا بين كثير من الأوكرانيين، وخرج آلاف المتظاهرين إلى الشوارع مطالبين بإعادته إلى منصبه، فإن زيلينسكي مضى في تنفيذ الإقالة.
تبعات القرار على الميدان
كما حذر محللون من أن الخطوة قد تؤثر سلبًا في المجهود الحربي، خاصة أنها تهدد العلاقات التي بناها فيدوروف بين الجيش وصناعة الطائرات المسيّرة.
وخلال حديثه إلى الصحفيين داخل موقف سيارات تحت الأرض في كييف الخميس، كشف فيدوروف أن الجنرال سيرسكي قدم للرئيس إنذارًا حاسمًا، ما فجّر الخلاف القائم داخل أوكرانيا، الدولة التي تعد في طليعة تطوير واستخدام الطائرات المسيّرة، بشأن ما إذا كان الاعتماد عليها قد تجاوز الحدود المقبولة.

وكان فيدوروف من أبرز الداعين إلى نشر الأنظمة الروبوتية الصغيرة لتتولى أدوارًا كانت تؤديها قوات المشاة والمدفعية والمدرعات، بهدف تقليص الفجوة مع الجيش الروسي الأكبر عددًا.
وخلال الأشهر الستة التي قضاها في وزارة الدفاع، تزامنت زيادة مشتريات المسيّرات مع استقرار خطوط الجبهة، إضافة إلى حملة استهدفت منشآت تكرير النفط الروسية، وأدت إلى تعطيل نحو ربع طاقة التكرير في روسيا.
حرب الروبوتات
ورغم أن الطائرات المسيّرة الانتحارية باتت تتسبب في نحو أربعة أخماس الخسائر البشرية لدى الطرفين، فإن فعاليتها تتراجع بشكل كبير في الأجواء الضبابية أو العاصفة، حيث تستعيد المدفعية التقليدية أهميتها.
ولهذا، يرى منتقدون داخل المؤسسة العسكرية أن رؤية فيدوروف بشأن «حرب الروبوتات» تفتقر إلى الواقعية، مؤكدين أن الجنود لا يزالون مضطرين للتمركز داخل خنادق موحلة تعج بالقوارض لصد الهجمات الروسية.
وفي تفسيره لأسباب الخلاف، أشار فيدوروف -أيضًا- إلى وجود مصالح اقتصادية راسخة داخل قطاع الصناعات العسكرية، مؤكدًا أن خطته لإعادة هيكلة المشتريات العسكرية لصالح المسيّرات هددت مصالح شركات تصنيع الأسلحة.
وقال: «كان يُقال إننا نتصرف بطريقة سيئة للغاية كدولة، لأننا نعطل الاستراتيجية التجارية لإحدى الشركات».
وتركز أحد أبرز الخلافات التي سبقت إقالته على مشتريات الأسلحة التقليدية، وفقًا لتصريحات فيدوروف ومدير تنفيذي في قطاع الصناعات الدفاعية وتقارير إعلامية أوكرانية.

واعترف الوزير السابق بأنه أثار استياء أطراف عدة عندما ألغى أو أعاد طرح مناقصات شراء قذائف المدفعية عيار 155 ملم، المستخدمة وفق معايير حلف شمال الأطلسي (الناتو)، كما أوقف شراء النسخ قصيرة المدى منها، إلا أنه قال إن هذه الإجراءات وفرت نحو 100 مليون دولار، مشيرًا إلى أن أوكرانيا ستواصل شراء القذائف بعيدة المدى.
لكن مساعديه أبلغوا شركات تصنيع الأسلحة خلال الأشهر الأخيرة بأن وزارة الدفاع لن تشتري أي ذخائر مدفعية إضافية، معتمدة بدلًا من ذلك على المخزونات القائمة والطائرات المسيّرة، بحسب مسؤول في قطاع الصناعات الدفاعية.
وأدى ذلك إلى توتر مع هيئة الأركان العامة، التي يقودها الجنرال سيرسكي، والمسؤولة في أوكرانيا عن تحديد أولويات شراء الأسلحة، وليس وزارة الدفاع.
ويُعرف سيرسكي داخل الجيش بأسلوبه الصارم، حتى إن بعض العسكريين يطلقون عليه لقب «الجزار» بسبب استعداده لتحمل خسائر بشرية كبيرة لتحقيق أهدافه العسكرية.
ورغم انحياز زيلينسكي إلى قائد الجيش في هذا النزاع، أفادت صحيفة «أوكراينسكا برافدا» بأن الرئيس أبلغ أعضاء حزبه خلال اجتماع هذا الأسبوع أن القرار كان بالغ الصعوبة، بل إنه كان يرغب في إقالة الرجلين معًا وبدء مرحلة جديدة، لكنه لم يكن قادرًا على تنفيذ الخطوتين في وقت واحد.
وقال أحد مساعدي زيلينسكي الجمعة، إن الرئيس يجري محادثات مع فيدوروف لتولي منصب جديد داخل الحكومة. وكان الوزير السابق قد كشف قبل ذلك بيوم أنه رفض عروض عمل من شركات كبرى في وادي السيليكون عقب إقالته.
إجراءات مماثلة
ولا يُعتقد أن الجنرال سيرسكي (60 عامًا) يطمح إلى خوض العمل السياسي بعد انتهاء الحرب، إلا أن زيلينسكي سبق أن اتخذ إجراءات مماثلة بحق قادة عسكريين آخرين اعتُبروا منافسين محتملين.
ففي وقت سابق من الحرب، أقال القائد العام السابق للقوات المسلحة، الجنرال فاليري زالوجني، الذي تجاوزت شعبيته في بعض الفترات شعبية الرئيس نفسه، وكان يُنظر إليه باعتباره أبرز منافس محتمل في أي انتخابات بعد الحرب، قبل أن يعينه سفيرًا لأوكرانيا لدى بريطانيا.
ورغم التحذيرات -آنذاك- من أن إقالة زالوجني قد تربك الجيش، فإن عملية انتقال القيادة إلى سيرسكي جرت بسلاسة.

وفي يناير/كانون الثاني الماضي، نقل زيلينسكي رئيس الاستخبارات العسكرية، الجنرال كيريلو بودانوف، إلى مكتبه رئيسًا للديوان، وهي خطوة رأى محللون أنها هدفت، جزئيًا، إلى إبقائه قريبًا من الرئاسة وتقليص فرص تحوله إلى منافس سياسي مستقبلي.
ومع انضمام فيدوروف إلى قائمة الشخصيات التي جرى تهميشها، خرج مؤيدو نهجه القائم على التكنولوجيا في مظاهرات بكييف ومدن أخرى، رافعين لافتات كتب عليها: «أعيدوا فيدوروف».
وجاء في إحدى اللافتات رسالة تحمل دلالة واضحة: «لدينا الكثير جدًا من الكرتون»، في إشارة إلى استعداد المحتجين لمواصلة التظاهر وتصعيد تحركاتهم.