ثقافة

الجامع الأموي في حلب يستعد للعودة إلى الحياة

الأحد 2018.2.18 09:18 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 368قراءة
  • 0 تعليق
الجامع الأموي في حلب

الجامع الأموي في حلب

علت أصوات المطارق وضجيج آلات البناء التي تعمل على إعادة مدينة حلب السورية لسابق عهدها وترميم أحد أبرز معالمها الدينية والأثرية، بعد أن سكتت أصوات المدافع وبردت فوهات البنادق.

ويعكف عشرات المهندسين والعمال والحرفيين المهرة على العمل بدأب لترميم جامع حلب الكبير المعروف محليًا بـ"الجامع الأموي"، والذي طالته يد الحرب في سوريا بالخراب.

وفي صحن المسجد ينشغل كلّ بعمله، فهناك من يوثق الحجارة المتهاوية جراء التدمير والتي تم ترقيمها وتصويرها، وهناك من يضع الصخرة المناسبة في المكان المناسب وفقًا لما كان مرسومًا عبر التاريخ، وهناك من يقطع الألواح الخشبية إلى قطع صغيرة تمهيدًا لدمجها في إطار الأبواب الداخلية والبالغ عددها 12 بابا.

وعلى أحد الجوانب، يقف النحّات عبدالجبار عزوز مع عماله، يضع صخرة ضخمة على طاولة حجرية ويبدأ بقصها بالمنشار الكهربائي تمهيدًا لاستخراج أشكال منحوتة، عبارة عن تيجان حجرية أو ورود أو آيات قرآنية أو مزاريب يتم وضعها على سطح الجامع لتصريف مياه الأمطار.

وقال عزوز بحماس: "أفخر بأن اسمي سيخلد هنا، أنا أعمل بكل حواسي، ولو استطعت لأقمت هنا كي أنهي عملي، هذه الحجارة ستتحدث عنا بعد رحيلنا وستبقى للأجيال".

ويتوزع المهندسون والنحاتون والعاملون في أماكنهم كل حسب تخصصه، في مهمة تبدو شاقة لكنها منظمة تنظيمًا دقيقًا؛ لإعادة الجامع إلى ما كان عليه قبل الحرب، وإعلاء صوت مئذنته في حارات المدينة.

وكل هؤلاء يعملون وفق مخططات تم تنظيمها في مكاتب مستحدثة على مدخل الجامع الذي استضاف رافعة عملاقة من دمشق جاءت خصيصًا لهذا الغرض؛ لكون معظم معدات وآليات المدينة تم نهبها إبان الحرب التي عصفت بالمدينة منذ عام 2012.

ومن بينهم، مهندس الديكور والأستاذ في كلية الهندسة المعمارية في حلب صخر علبي، الذي كان أحد المشاركين في عملية ترميم سابقة للجامع في 2005.

وجاءت عملية إعادة إعمار الجامع بهبة من الشيشان، وصل منها نحو سبعة مليارات ليرة سورية "نحو 16 مليون دولار".

وقال علبي: إن حجم الدمار يعادل ثلث المسجد تقريبًا، وأصاب بشكل رئيسي كلًا من المنارة والمئذنة وما حولهما، إذ إن الأضرار لحقت بالأعمدة والركن وكل ما هو متصل بالأسواق.

وتبدو تلك العملية طويلة نسبيًا، فقد بدأت منذ ستة شهور برفع الأنقاض وإزالة أكياس الرمل عن الفتحات، حيث يصف المهندسون المشهد في الداخل كمن يتحدث عن ترسانات حربية، أما في الخارج فالصورة أسوأ نظرًا لحجم الدمار.

وقبل ستة أشهر، اتفقت وزارة الأوقاف الشيشانية مع نظيرتها السورية لتمويل إعادة إعمار الجامع، حيث بدأت الدراسات لتقييم الأضرار وسبل التنفيذ تحت إشراف المديرية العامة للآثار في سوريا.

ووضع القائمون على المشروع تصورًا أوليًا للتكلفة المالية والمدة الزمنية التي ستستغرقها مرحلة إعادة الترميم.

وأوضح علبي: "عندما وضعنا التصور الأول كانت التكلفة مقبولة مع تغير سعر الليرة، إذ بلغت حدود سبعة مليارات ليرة سورية أي التكلفة التي تم دفعها في العام 2006، حين كانت حلب عاصمة الثقافة الإسلامية".

وفي تصور المهندسين، فإن المرحلة الزمنية لإنجاز عملية الترميم هي ثلاث سنوات تقريبًا؛ لأن العمل الفني داخل وخارج المسجد سيكون متلازمًا مع العمل على إعادة إصلاح البنى التحتية ومتناغمًا ومتشعبًا معها، لا سيما في الأسواق القديمة.

ويجد المهندسون المعماريون والنحاتون صعوبة في العثور على المقالع التي تتطابق حجارتها مع حجارة الجامع الأموي الكبير، إذ يضطرون إلى جلبها من خارج حلب مما يبطئ وتيرة الإنجاز.

ويعمل على إعادة الترميم ما بين 100 مهندس ونحات وعامل، أنجزوا حتى اليوم 10% من عملية الترميم بعدما أصبحت الأهداف لديهم واضحة.

ويجري العمل اليومي على أساس الكتب التاريخية التي تحتوي على الصور الأصلية، حيث يقوم المهندسون بمهمة مقارنة الحجر بالحجر على جهاز الكمبيوتر، في عملية بحث دقيقة للوصول إلى الأصل وإتقان التنفيذ.

وقال علبي، إنه بحث على الإنترنت في كل من ألمانيا وإيطاليا عن كيفية معالجة الثقوب واستخراج الرصاص، حيث لم يسلم جدار واحد من جدران الجامع من الشظايا والرصاص، لذلك قام المهندسون بتقسيم الجدران تبعًا لنوع التشوه.

ويفوق عمر الجامع الأموي الكبير 1300 عام، أما مئذنته فهي أصغر بمائة عام إذ إنها كانت في غير اتجاهها، ولم تكن قد اتخذت أبعادها إلى أن انتقلت إلى زاوية أخرى.

وترتفع الأقواس فوق 12 بابا خشبيا من أبواب الجامع، ولكل قوس نقش خاص به على شكل حياكة الخيوط.

وقال النجار أحمد خطاب: إن القوس يحتاج إلى شهر عمل، حيث يتم التطابق مع صور تعود إلى نحو 120 عامًا بعد أن يتسلم المخططات من المهندس المكلف بالتصميم ويبدأ مع صانعيه بالعمل على أساسها.

ويعتبر الجامع الأموي الكبير في حلب، أحد أقدم المساجد في المدينة السورية، ويقع في حي الجلوم بالمدينة القديمة من حلب، التي أُدرجت على قائمة مواقع التراث العالمي عام 1986.

ويشبه الجامع إلى حد كبير في مخططه وطرازه الجامع الأموي الكبير بدمشق، وقد تم تشييد المسجد في القرن الثامن الميلادي، ودُمرت أجزاء كبيرة منه في إبريل/نيسان من عام 2013 نتيجة الحرب السورية.

وكان المسجد قد عانى فيما مضى من الحريق والدمار الكبير الذي خلفه المغول حين سيطروا على حلب في عام 1260، بعد عامين من تخريبهم بغداد التي كانت مركز الحضارة الإسلامية حينها.

تعليقات