قبل خمسة وخمسين عاما، وتحديدا في الثامن عشر من يوليو/تموز 1971، اجتمع حكام دولة الإمارات ليوقعوا وثيقة الاتحاد، فكتبوا بأيديهم أول سطور قصة سبقت زمانها، ما زالت فصولها الناجحة تكتب واحداً تلو آخر.
منذ ذلك اليوم، لم يتوقف الزمن عن أن يضع توقيعه، عاماً بعد عام، شاهداً على صواب ذلك القرار التاريخي، الذي ولد في لحظة كانت المنطقة بأسرها تقف على أعتاب تحولات تاريخية، وبينما كانت دول تبحث عن طريقها، اختارت دولة الإمارات أن تصنع طريقها بنفسها.
فقد جاء عهد الاتحاد في دولة الإمارات، مختلفاً منذ لحظته الأولى، لم يولد ليعيش سنواته الأولى فحسب، بل ليعبر الأجيال، لم يكن مشروعاً للحاضر بقدر ما كان رؤية للمستقبل، أساسه الاستمرارية والتطور، وقد أثبتت العقود الخمسة الماضية أن ما بدأ بوثيقة اتحاد، تحول إلى مسيرة لا تزال تكتب فصولها الناجحة.
وعند توقيع عهد الاتحاد، لم يكن أحد قادراً على استشراف ما ستؤول إليه أحوال المنطقة بعد أكثر من نصف قرن، ولم يكن الآباء المؤسسون يملكون خرائط المستقبل التي نقرأها اليوم.
كل ما كان ماثلاً أمامهم -آنذاك- شرق أوسط مضطرب، يعيد تشكيل موازين قواه، وفي خضم هذا المشهد، لم يكن القرار الإماراتي رهاناً على معطيات اللحظة، بل إيماناً بأن بناء المستقبل يبدأ باتخاذ القرار الصحيح في أصعب الأوقات.
في تلك اللحظة، لم يكن التحدي الأكبر هو بناء الدولة بقدر ما كان ضمان قدرتها على البقاء والاستمرار في محيط لا يعترف إلا بالأقوياء، وهنا يكمن الفارق بين مشروع يولد استجابة لظرف تاريخي، وآخر يبنى ليصنع تاريخه بنفسه.
فعندما اجتمع حكام دولة الإمارات، لم يكونوا يوقعون على وثيقة دستورية فحسب، بل كانوا يؤسسون لفكرة سياسية تجاوزت حدود زمنها، واستطاعت أن تثبت، عاما بعد عام، أن قوة الدول لا تقاس بعمرها الزمني، بل بقدرتها على استشراف المستقبل وصناعته.
كان بإمكان كل إمارة أن تختار طريقها منفردة، كما كان بإمكان حسابات السياسة والجغرافيا أن تنتصر على فكرة الاتحاد، لكن ما حدث كان العكس تماما، إذ انتصر منطق الدولة على حسابات اللحظة، وانتصرت الرؤية بعيدة المدى على المصالح الضيقة، ليصبح الاتحاد خيارا استراتيجيا لم تصنعه ضرورات الأمس وحدها، بل احتياجات الغد أيضا.
وربما لهذا السبب قال -المغفور له- الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، مقولته الخالدة: «الاتحاد يعيش في نفسي وفي قلبي وفي كياني، وإنه أغلى ما أملك»، كلمات تعكس إدراكاً مبكراً بأن الحفاظ على الفكرة أصعب كثيراً من إعلانها.
ومنذ اللحظة الأولى، لم يكن الاتحاد الإماراتي مشروعاً انتهى بتوقيع وثيقته التأسيسية، بل مشروعا يواجه اختبارا جديدا مع كل مرحلة، فبعد تحدي التأسيس، جاء تحدي بناء المؤسسات، ثم تحدي التنمية، ثم مواكبة التحولات الاقتصادية العالمية، وصولا إلى التعامل مع الأزمات الإقليمية التي لم تغادر المنطقة لعقود طويلة.
وفي كل اختبار، كانت الإجابة واحدة وهي: المزيد من التمسك بالمبادئ التي قام عليها الاتحاد، فلو عدنا إلى الوثائق والخطابات الأولى للآباء المؤسسين، لوجدنا أن الكلمات الأكثر حضورا فيها لم تكن النفط أو الثروة أو القوة، وإنما الإنسان، والتعليم، والمؤسسات، والعمل المشترك.
وكأنّ المؤسسين كانوا يدركون، منذ البدايات، أن الثروة الحقيقية ليست ما تخفيه الأرض في أعماقها، بل ما يوجد فوقها من إنسان قادر، ومؤسسات راسخة، ورؤية لا يحدها الزمن بل قادرة على تجاوزه.
ولم يكن مصادفة أن يقول الشيخ زايد، -طيب الله ثراه- "إن الثروة ليست ثروة المال، وإنما هي ثروة الرجال"، فهذه الكلمات تختصر منهج دولة بأكملها، مفاده أنه مهما تغير العالم وتبدلت موازين القوة، يظل الإنسان الثابت الذي بنت عليه دولة الإمارات حاضرها، وراهنت به على مستقبلها.
واليوم، يعيش العالم مرحلة لا تقل تعقيدا عن تلك التي شهدها قبل أكثر من خمسة عقود، فالحروب عادت إلى قلب النظام الدولي، والتحالفات تعاد صياغتها، والأزمات تعبر الحدود بسرعة غير مسبوقة.
وفي الشرق الأوسط تحديدا، لا تزال خرائط السياسة ترسم كل يوم، دول تنهكها الصراعات، وأخرى تعيد تعريف أدوارها الإقليمية، وثالثة لا تزال تبحث عن معادلة تجمع بين التنمية والاستقرار.
هنا تتجلى إحدى أهم دلالات "عهد الاتحاد". فمنذ اللحظة الأولى، لم تنظر دولة الإمارات إلى التنمية والاستقرار باعتبارهما مسارين متوازيين، بل وجهين لمعادلة واحدة، فبناء المؤسسات كان قرارا سياسيا بقدر ما كان خيارا تنمويا، والاستثمار في الإنسان لم يكن رهانا اقتصاديا فحسب، بل استثمارا في قدرة الدولة على عبور الزمن.
ولهذا، فإن نجاح الاتحاد لا يقاس بما حققته دولة الإمارات من أرقام ومؤشرات فحسب، وإنما بقدرته على مواصلة التجدد في عالم يختلف تماما عن ذلك الذي ولد فيه.
وهكذا، وبعد خمسة وخمسين عاما، يبقى «عهد الاتحاد» أكثر من ذكرى لتاريخ مضى، إنه درس في أن الدول العظيمة لا تبنى بما تملكه من إمكانات فقط، بل بما تمتلكه من رؤية، وأن الأفكار التي تولد كبيرة بما يكفي، لا يحدها زمن، بل تصنع زمنها الخاص.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة