التحليلات

حرب "فول الصويا" وأُفُول العولمة

الخميس 2019.3.7 06:01 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 292قراءة
  • 0 تعليق
حروب التجارة العالمية

لقاء سابق بين الرئيسين الأمريكي والصيني

تنفس غالبية المتابعين الصُّعداء مع سماع الأنباء الإيجابية بشأن نتائج جولة المفاوضات الأخيرة لحل الأزمة التجارية بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين، فضلاً عن سعي بكين لتسريع إصدار قانون جديد للاستثمار لا يُلزم الشركات الأجنبية بنقل التكنولوجيا إلى شركائها الصينيين.

بدت المفاوضات والتعديل التشريعي، السريع على عكس التقاليد الصينية في إجازة القوانين وتعديلاتها، كالعدو في الأمتار الأخيرة لماراثون إنقاذ التجارة العالمية، وذلك قبل نهاية المهلة، المحددة في الأول من مارس، للتوصل إلى اتفاق يمنع رفع الرسوم الجمركية على بعض الواردات الصينية من 10 إلى 25%.

لم يخف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، سعادته البالغة بتقدم المفاوضات، مؤكداً ثقته بالتوصل لاتفاق في كافة النقاط عندما يلتقي الرئيس الصيني وجهاً لوجه، ولم يكن غريباً أن يُعرّب ترامب عن سروره بشراء بكين 5 ملايين طن من فول الصويا يومياً في الفترة الأخيرة، فقد أدى رفع الصين الرسوم الجمركية على واردات فول الصويا إلى خفض صادرات أمريكا من المنتج الزراعي إلى بكين، التي كانت قيمتها تصل إلى 12.4 مليار دولار سنوياً في 2017، بمعدل 74% في عام 2018، وهو ما أدى إلى عدم قدرة المزارعين على بيع كميات ضخمة من منتجاتهم، ودفع ترامب للتعهد بمساعدتهم بـ12 مليار دولار.

لم تثر فرحة الرئيس الأمريكي بتقدم المفاوضات التجارية مع الصين الاستغراب؛ لأن المزارعين من أهم الكتل الانتخابية التي أوصلته إلى البيت الأبيض، كما أن 8 من أكبر 10 ولايات أمريكية إنتاجاً لفول الصويا صوتت له، ولا شك أنهم لن يغفروا له أضرار "حرب فول الصويا" إذا لم يضع حلاً للأزمة قبل انتخابات الرئاسة المقبلة.

كذلك، فإن تعديل قانون الاستثمار في الصين ليتيح للشركات الأجنبية العمل فيها دون إلزامها بنقل التكنولوجيا، وهو ما تسارع السلطات للحصول على الموافقات اللازمة لتعديله، يُعزز آمال المتفائلين، فالملكية الفكرية ونقل التكنولوجيا ظلتا من القضايا التي تؤرق صناع القرار في واشنطن، وغيرها من عواصم ومراكز الاقتصادات المتطورة.

ربما تسهم زيادة مشتريات الصين، أكبر مستورد لفول الصويا بحصة 66% من الإجمالي العالمي، في تعديل الميزان التجاري قليلاً، لكنها لن تردم الهوة التي تتسع منذ عدة سنوات؛ ويميل الميزان التجاري لصالح الصين، إذ تتفوق صادراتها إلى أمريكا على وارداتها منها بنحو 345 مليار دولار أمريكي خلال أول 10 أشهر في عام 2018، و375.6 مليار دولار في عام 2017 (وفقاً لمكتب الإحصاءات الأمريكي)، في حين أن إجمالي واردات الصين من فول الصويا من عدة دول يبلغ 34 مليار دولار سنوياً.

تحولات عميقة

هل نقول إن الخلافات بشأن "السياسات الحمائية" التي هيمنت على الساحة في العامين الماضيين في سبيلها إلى الحل، وإن سفينة العولمة تسير ولا تُبالي بالرياح؟.

لا يمكن الإجابة بسهولة، فالأمر لا يقتصر على توقعات الركود، إذ لفتت زيادة اللجوء إلى السياسات الحمائية الأنظار إلى تحولات كبيرة وأكثر عمقاً تشهدها العولمة منذ الأزمة المالية، حيث تعرضت الاستثمارات العابرة للحدود والتجارة الدولية والقروض المصرفية وسلاسل التوريد، للانكماش مقارنة بمعدلات نمو الناتج الإجمالي العالمي.

في الفترة من عام 1990 إلى 2010، شهدنا العصر الذهبي للعولمة حين زادت معدلات التجارة العالمية مع انخفاض كلفة الشحن البحري والرسوم الجمركية وتحرير التمويل؛ وطاف المستثمرون الكرة الأرضية بحثاً عن الفرص المغرية، فيما تجول المستهلكون بحثاً عن أفضل السلع والمنتجات جودةً وسعراً.

لم تستمر عولمة نظام السوق في المضي بذات السرعة؛ إذ يشير تقرير منظمة التجارة العالمية عن "إحصاءات التجارة العالمية في 2018" إلى أن "حجم التجارة العالمية ينمو بـ1.5 مرة أعلى من معدل النمو الاقتصادي العالمي، وفقاً لبيانات تاريخية، وفي حين بلغ هذا النمو أعلى من ضعفي معدل النمو الاقتصادي في التسعينيات من القرن العشرين، فقد تراجع إلى مرة واحدة في السنوات الخمس التي أعقبت الأزمة المالية العالمية (2011 إلى 2016)، ثم ارتفع من 0.8 مرة في 2016 إلى 1.5 في عام 2017".

ورغم أن نمو التجارة العالمية في عام 2017 بثّ بعض الأمل في عودة المياه إلى مجاريها "بعد عقد كامل من الكساد" حسب مدير عام منظمة التجارة العالمية روبيرتو أزيفيدو، سرعان ما خفضت المنظمة توقعاتها لنمو التجارة مع زيادة مخاطر فرض المزيد من القيود على التجارة خلال العام الماضي.


ترى مجلة "الإيكونوميست" (عدد 26 يناير 2019) أن العوامل الأكثر تأثيراً في تحولات مشهد التجارة العالمي تكمن في "إعادة كتابة قواعد التجارة في مختلف أنحاء العالم، حيث يتم التخلي عن مبدأ التعامل مع المستثمرين على قدم المساواة بغض النظر عن جنسياتهم، وعلى سبيل المثال، تحيط الخلافات السياسية بصناعة تقنية المعلومات، التي تُشكل 20% من قيمة أسواق الأسهم في العالم، كما نشهد تغيير نظم الضرائب لأسباب تتعلق بحماية "المصالح الوطنية"، حيث تضع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي نُظماً جديدة للتحقق من الاستثمارات الأجنبية، وتسعى أمريكا للاستفادة من تحكمها في إدارة المدفوعات العالمية بالدولار للسيطرة على المستثمرين الأجانب.

ولا يبدو أن "الإيكونوميست" هي الجهة الوحيدة التي تدق ناقوس الخطر، حيث يوضح مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) في تقريره عن الاستثمارات العالمية أن الاستثمارات الأجنبية المباشرة في عام 2017 هبطت بمعدل 23.4% مقارنة بعام 2016، ويقول أمين عام الأمم المتحدة أنطونيو جوتيريس، في تقديمه للتقرير، إن "الاستثمارات عابرة الحدود في الاقتصادات المتطورة شهدت هبوطاً حاداً فيما كان النمو أقرب للصفر في الاقتصادات النامية"، و"يشكل هذا الاتجاه السلبي مصدراً لقلق صناع السياسات في العالم، خاصة الدول النامية حيث لا يُستغنى عن الاستثمارات الدولية "، وخلال العام الماضي، تراجعت الاستثمارات الصينية في أوروبا وأمريكا بمعدل 73%، وتراجعت استثمارات الشركات العابرة للحدود 20%.

الهجرة إلى "الإقليمية"

يرى بعض المحللين أن التكتلات الإقليمية ستهيمن على المشهد، حيث ترتفع حصة التجارة البينية بمعدلات أعلى من التجارة العابرة للقارات، ورغم أن هذا التوجه ليس جديداً، حيث تُسهل التجارة بين المناطق القريبة جغرافياً، فإن نمو حصة التجارة الإقليمية في آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية يبدو أكثر وضوحاً منذ عام 2011، كما يلاحظ أن مبيعات الشركات الآسيوية في الأسواق الآسيوية أكثر من مبيعاتها في الولايات المتحدة الأمريكية في عام 2017.

وتشهد الصفقات الإقليمية وتعزيز مناطق النفوذ نشاطاً محموماً، حيث تقوّي أوروبا سلطتها على القطاع المصرفي وشركات التقنية والاستثمارات الأجنبية، فيما تعمل الصين على إبرام اتفاقية تجارة إقليمية خلال العام الجاري، أما مصير الاستثمارات العابرة للحدود، التي تبلغ نحو 30 تريليون دولار أمريكي، فمن الصعب التنبؤ بمصيرها حال التركيز على الإقليمية.

وقد يرى البعض أن الأسواق القارية أصبحت كبيرة، بحيث تتمكن من الازدهار دون الحاجة للتوسع عالمياً، بل إن الاندماج الإقليمي سيكون أكبر وأعمق مما كان متصوراً على الصعيد العالمي.

مع ذلك، لا يمكن إغفال سلبيات "الإقليمية"، فقد أتاحت العولمة للكثير من الأسواق الناشئة تقريب الفجوة مع عدد من الاقتصادات المتطورة خلال الفترة بين عامي 1990 و2010، وذلك عبر الاستفادة من مزايا التجارة العالمية.

ولا يمكن الحديث عن هيمنة الكيانات الاقتصادية الإقليمية في ظل وجود قارات تحتاج الاستثمارات الخارجية والتجارة مع العالم ككل أكثر من التبادل القاري كونها لم تحقق تقدماً في كافة القطاعات الاقتصادية، ويتضح مثل هذا التباين عندما نعرف أن حصة صادرات الدول الأفريقية إلى دول أخرى في القارة تبلغ 18% فقط من إجمالي صادراتها، مقارنة بـ59% في آسيا، و69% في أوروبا، وهو ما يعد ثمرة لعقود من الأزمات الداخلية، وتقسيم العمل على الصعيد الدولي.

كذلك، فإن تركز التجارة الخارجية على الصعيد الإقليمي سيؤدي إلى تباين مع النظام المالي العالمي، الذي تلعب فيه وول ستريت ومجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأمريكي) دور المايسترو، إذ ستتأثر معدلات الفائدة في مختلف الدول بقرارات الفيدرالي الأمريكي نظراً لارتباط الأسواق المالية، حتى مع قلة ارتباط تجارتها الخارجية بالولايات المتحدة، الأمر الذي يتوقع أن يؤدي إلى اضطرابات في السياسات المالية.

ولا يُعتقد نجاح "الإقليمية" في حل المشاكل التي خلقتها العولمة، إذ ستواصل الشركات من الاقتصادات المتقدمة تشغيل عمال غير مهرة بتكلفة بسيطة في أسواق حول العالم، وسيكون من الأصعب مناقشة ومجابهة تحديات مثل التغير المناخي والهجرة والتهرب الضريبي على نطاق عالمي، كما أن بعض القوى، مثل الصين، ستعزز هيمنتها الإقليمية بصورة أكبر.

وفي الوقت الذي تجاهلت فيه "عولمة اقتصاد السوق" الكثير من المشاكل والمصاعب التي خلقتها، لا يبدو التركيز على التكتلات الإقليمية حلاً سحرياً، بل يُنذر بخلق مشاكل أكثر من تلك التي يضع لها حلولاً.

وفي كتابه Capitalism & Slowbalization (الرأسمالية و"التباطؤية"!) في عام 2015، قال الكاتب الهولندي، أدجيدج باكاس، إن الرأسمالية بحاجة إلى إعادة اختراع نفسها إن كانت تحرص على المجتمع الحر الديمقراطي، الذي انبثقت منه، ويبدو أن عولمة اقتصاد السوق بحاجة إلى أكثر من التعامل مع الخلافات، التي تعبر عن اختلالات هيكلية، لتصبح قادرة على مواجهة تحديات الاقتصاد العالمي.

تعليقات