التضخم الأمريكي يسجل أعلى مستوى في 3 سنوات ويعقد حسابات ترامب
سجل مقياس التضخم المفضل لدى الاحتياطي الفيدرالي أعلى مستوى له منذ 3 سنوات في شهر مايو/أيار، وذلك تزامنا مع بلوغ أسعار البنزين ذروتها.
ارتفاع التكاليف قد يثير مشكلات سياسية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب وحزبه مع اقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي.
وأعلنت وزارة التجارة الأمريكية الخميس، أن أسعار المستهلكين ارتفعت بنسبة 4.1% في مايو/أيار مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، مسجلة بذلك أكبر زيادة سنوية منذ أبريل/نيسان 2023.
أما على أساس شهري، فقد بلغ معدل التضخم 0.4% الشهر الماضي، وهي نسبة تماثل الزيادة المسجلة في أبريل/نيسان، لكنها تقل عن معدل 0.7% المسجل في مارس/آذار، وفقا لوكالة أسوشيتد برس.
كان ارتفاع الأسعار مدفوعا في المقام الأول بزيادة تكلفة الوقود، فضلا عن ارتفاع أسعار أشباه الموصلات ومعدات الحاسوب الأخرى التي تشهد طلبا مرتفعا لدعم التوسع في تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وقد أدى هذا الصعود في الأسعار إلى دفع مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي -المكلفين بمكافحة التضخم- إلى إبقاء سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير هذا العام، وهو ما يمثل تحولا عن موقفهم في شهر يناير/كانون الثاني حين كانوا يخططون لإجراء خفضين للفائدة؛ بل إن بعض الاقتصاديين يتوقعون أن يلجأ البنك المركزي بدلا من ذلك إلى رفع أسعار الفائدة خلال العام الجاري.
قال كبير الاقتصاديين في شركة "بيدمونت كريسنت كابيتال"، مارك فيتنر: "إن التضخم الأساسي أقرب إلى 3% منه إلى 2%".
وأضاف: "يشير ذلك بالنسبة لي إلى أن الخطوة القادمة لمجلس الاحتياطي الفيدرالي - أياً كان موعدها - ستكون على الأرجح رفعا لأسعار الفائدة وليس خفضا لها"، مشيرا إلى أن المجلس لن يرفع أسعار الفائدة على الأرجح قبل العام المقبل.
أسعار النفط
شهدت أسعار النفط والغاز انخفاضاً ملحوظاً منذ موافقة ترامب على اتفاق سلام مع إيران في وقت سابق من هذا الشهر، إلا أن الصراع كان قد دفع أسعار البنزين للارتفاع لتصل إلى متوسط يقارب 4.50 دولار للغالون على مستوى البلاد في شهر مايو/أيار.
ورغم تراجع الأسعار لاحقا لتصل إلى 3.92 دولار الخميس وفقا لبيانات جمعية السيارات الأمريكية (AAA)، إلا أنها تظل أعلى بنسبة تزيد عن 20% مقارنة بمستوياتها في الفترة نفسها من العام الماضي، وذلك مع بدء موسم ذروة القيادة.
من المرجح أن يؤدي انخفاض أسعار البنزين إلى تراجع معدل التضخم العام في الشهر المقبل، غير أن مؤشرات التضخم الأساسي لا تزال مرتفعة بشكل عنيد، مما سيشكل مصدر قلق لمجلس الاحتياطي الفيدرالي.
فعند استبعاد فئتي الطاقة والغذاء اللتين تتسمان بالتقلب، ارتفعت الأسعار الأساسية بنسبة 3.4% في مايو/أيار مقارنة بالعام السابق، مسجلة بذلك ارتفاعا عن نسبة 3.3% المسجلة في أبريل/نيسان، وهي أكبر زيادة منذ أكتوبر/تشرين 2023.
أما على أساس شهري، فقد ارتفعت هذه الأسعار بنسبة 0.3% بين شهري أبريل/نيسان ومايو/أيار، وهي النسبة ذاتها المسجلة في الشهر السابق.
تقنيات الذكاء الاصطناعي
لا تقتصر العوامل التي تزيد من حدة التضخم على ارتفاع أسعار الوقود؛ فقد أدى التوسع في تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى زيادة تكلفة مكونات أجهزة الكمبيوتر، مما دفع شركة "أبل" للإعلان الأسبوع الماضي عن عزمها رفع أسعار أجهزة الكمبيوتر وأجهزة "آيباد" التابعة لها لمواجهة هذه التكاليف المرتفعة.
كما شهدت أسعار الخدمات ارتفاعا حادا في الشهر الماضي، مدفوعة بزيادة تكاليف وجبات المطاعم، وغرف الفنادق، وخدمات إصلاح السيارات، والرعاية الصحية.
في الوقت نفسه، يبدو المستهلكون مستعدين لمواصلة الإنفاق ودعم الاقتصاد؛ فقد ارتفع حجم الإنفاق -بعد تعديله وفقا لمعدلات التضخم- بنسبة 0.3% في الفترة ما بين شهري أبريل/نيسان ومايو/أيار.
كما سجلت الدخول -المعدلة أيضا وفقا للتضخم- ارتفاعا بنسبة 0.3% للمرة الأولى منذ 4 أشهر، وهو ما قد يعزز الإنفاق الاستهلاكي خلال الأشهر المقبلة.
نمو الاقتصاد
وأظهر تقرير منفصل صدر يوم الخميس أن الاقتصاد نما بمعدل سنوي بلغ 2.1% خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام، وهي نسبة تفوق التقديرات السابقة التي أشارت إلى نمو قدره 1.6%. كذلك، انخفض عدد المتقدمين بطلبات للحصول على إعانات البطالة الأسبوع الماضي، مما يشير إلى استمرار انخفاض معدلات تسريح العمالة.
أكد الرئيس الجديد لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، كيفن وارش، الأسبوع الماضي عزم البنك المركزي على إعادة التضخم إلى مستواه المستهدف البالغ 2%، لكنه لم يلمح إلى الخطوات التي قد يتخذها المجلس.
ومع ذلك، يتوقع بعض الاقتصاديين الآن أن يرفع البنك المركزي أسعار الفائدة هذا العام؛ وقد أدت هذه التوقعات إلى إحداث اضطراب في الأسواق الأمريكية هذا الأسبوع، مما ألحق ضررا بالغا بالقطاعات سريعة النمو، مثل قطاع التكنولوجيا.
ظل معدل التضخم أعلى من المستهدف الذي حدده الاحتياطي الفيدرالي عند 2% لأكثر من 5 سنوات، مما أدى إلى تزايد تشاؤم العديد من الأمريكيين بشأن المستقبل.
ويشير فيتنر إلى أن التضخم لم يتجاوز 2.5% طوال عقد كامل تقريبا قبل الجائحة، وهو ما جعل موجات الارتفاع الحاد في التضخم التي تلت ذلك تبدو أكثر صعوبة في التقبل بالنسبة لمعظم الأسر.
أنماط تسوق الأمريكيين
يتناول تقرير يوم الخميس "مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي" (PCE)، وهو مقياس أقل شهرة مقارنة بـ"مؤشر أسعار المستهلك" (CPI) الذي صدر في وقت سابق من هذا الشهر وأظهر ارتفاعا كبيرا مماثلا.
ويفضل الاحتياطي الفيدرالي مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي لأنه يولي وزنا أقل لقطاع الإسكان، كما أنه يعكس التغيرات في أنماط تسوق الأمريكيين عند ارتفاع الأسعار؛ فعلى سبيل المثال، يلجأ المستهلكون إلى شراء سلع أرخص ثمناً أو منتجات لا تحمل علامات تجارية كبرى.
علّق ترامب على تقرير مؤشر أسعار المستهلك (CPI) في وقت سابق من هذا الشهر بالقول إنه "أحب التضخم"؛ وكان قد وصف سابقا تركيز الديمقراطيين على مسألة "القدرة على تحمل التكاليف" بأنه "خدعة".
لقد قفز معدل التضخم إلى 9.1% في عهد الرئيس السابق جو بايدن، ورغم تراجعه ليقترب مجددا من مستوى 2% في عام 2024، ظل الناخبون مستائين من الارتفاع التراكمي في تكاليف السلع الغذائية والإيجارات وغيرها من الضروريات.
كان مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي (PCE) قد سجل آخر قراءة له دون مستوى 2.5% في أبريل/نيسان 2025، وهو الوقت الذي كشف فيه ترامب عن الرسوم الجمركية الخاصة بـ"يوم التحرير"؛ ثم ارتفع التضخم تدريجيا ليصل إلى 2.9% قبيل اندلاع الحرب مع إيران مباشرة.
وتأتي بيانات التضخم الجديدة بعد يوم واحد من رفض ترامب التوقيع على تشريع خاص بالإسكان أقره الكونغرس، وكان يهدف إلى تحفيز المزيد من عمليات البناء وخفض أسعار المنازل بمرور الوقت، وذلك استجابةً لمخاوف الأمريكيين بشأن ارتفاع التكاليف.