واشنطن وهافانا على حافة الهاوية.. تصعيد متسارع ومخاوف متزايدة
كثفت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الأسابيع الأخيرة من وتيرة إجراءاتها الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية تجاه هافانا، وسط مخاوف متزايدة من احتمالية شن عملية عسكرية في الجزيرة الكاريبية.
ورغم نفي مسؤولين أمريكيين وجود خطط فورية لغزو كوبا، تعكس سلسلة التحركات الأخيرة، من تشديد العقوبات الاقتصادية إلى تكثيف طلعات الاستطلاع العسكري قبالة السواحل الكوبية، ضغوطًا غير مسبوقة على القيادة الشيوعية في هافانا، وفقا لمجلة نيوزويك.
التصعيد الأمريكي يأتي في وقت تمر فيه كوبا بأزمة اقتصادية خانقة تُعد من الأصعب منذ عقود، نتيجة استمرار الحصار الأمريكي الممتد، إلى جانب أزمة طاقة متفاقمة أثرت بشكل مباشر على الحياة اليومية للمواطنين.
وتعاني البلاد من انقطاعات متكررة للتيار الكهربائي، ونقص حاد في الوقود والإمدادات الأساسية، فضلاً عن تراجع قطاع السياحة، الذي يمثل أحد أهم مصادر الدخل القومي.
كما انعكست الأزمة على الخدمات العامة، مع تزايد المشكلات المرتبطة بالنظافة العامة والرعاية الصحية، وسط تحذيرات دولية من تدهور الوضع الإنساني.

وتفاقمت هذه التحديات بعد تراجع الإمدادات النفطية القادمة من فنزويلا، التي كانت تمثل لعقود شريانًا حيويًا للاقتصاد الكوبي.
وبعد التطورات السياسية والعسكرية التي شهدتها كاراكاس مطلع العام الجاري، باتت هافانا تعتمد بشكل محدود على شحنات وقود روسية تمر عبر ترتيبات دولية معقدة، وهو ما يزيد من هشاشة الوضع الداخلي.
في هذا السياق، أثارت التحركات العسكرية الأمريكية الأخيرة الكثير من القلق، إذ أفادت تقارير إعلامية أمريكية بأن الجيش الأمريكي كثف منذ فبراير/شباط الماضي عمليات جمع المعلومات الاستخباراتية بالقرب من الأجواء الكوبية، من خلال أكثر من 20 طلعة استطلاع، شملت استخدام طائرات متطورة مثل آر سي-135 في ريفت جوينت، المتخصصة في التقاط الإشارات الإلكترونية ورصد الاتصالات وتحديد مواقع أنظمة الدفاع الجوي.
وأظهرت بيانات تتبع الرحلات الجوية أن معظم هذه الطلعات تركزت فوق المناطق القريبة من هافانا وسانتياغو دي كوبا، ما أثار تكهنات حول وجود استعدادات استخباراتية قد تسبق تحركات أكبر. ويعزز هذه المخاوف أن نمطًا مشابهًا من النشاط الجوي سبق العمليات الأمريكية الأخيرة في فنزويلا وإيران.
ورغم ذلك، يشير مراقبون عسكريون إلى غياب مؤشرات واضحة على حشد عسكري واسع النطاق بالقرب من كوبا، وهو شرط أساسي لأي عملية عسكرية كبرى، خصوصًا إذا تضمنت تدخلًا بريًا. كما أن انشغال القوات الأمريكية بملفات الشرق الأوسط يجعل من الصعب فتح جبهة جديدة في الوقت الراهن.
لكن التصريحات الصادرة عن الرئيس الأمريكي ترامب ساهمت في تأجيج المخاوف. ففي أكثر من مناسبة، ألمح الرئيس الأمريكي إلى إمكانية "السيطرة السريعة" على كوبا، بل ذهب إلى حد المزاح بشأن إمكانية اقتراب حاملة الطائرات الأمريكية "يو إس إس أبراهام لينكولن" من السواحل الكوبية وإجبار المسؤولين هناك على الاستسلام.
كما تحدث ترامب عن "السيطرة الودية" على الجزيرة، معتبرًا أن كوبا قد تكون الهدف التالي للضغوط الأمريكية بعد انتهاء العمليات في الشرق الأوسط، وهي تصريحات وإن جاءت في إطار سياسي دعائي، فإنها تحمل رسائل ضغط واضحة إلى القيادة الكوبية.
كما أكد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أن العقوبات الجديدة تعكس التزام واشنطن بما وصفه بـ"حماية الأمن القومي الأمريكي"، مشددًا على أن الضغوط ستتواصل إلى حين استجابة الحكومة الكوبية للمطالب الأمريكية.
في المقابل، وصفت هافانا العقوبات بأنها "عدوان اقتصادي مباشر" يفاقم معاناة الشعب الكوبي، معتبرة أنها تمثل عقابًا جماعيًا يستهدف المدنيين أكثر مما يستهدف مؤسسات الدولة.
الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل ردّ بلهجة حادة، مؤكدًا أن بلاده لن ترضخ للضغوط أو التهديدات، محذرًا من أن أي عمل عسكري أمريكي سيُواجَه بمقاومة شرسة تعتمد على تكتيكات حرب العصابات، بما سيؤدي إلى خسائر جسيمة للطرفين.
ورغم استمرار قنوات الاتصال الدبلوماسي بين البلدين، فإن المحادثات الأخيرة لم تحقق اختراقًا يُذكر، كما رفضت هافانا عروضًا أمريكية شملت مساعدات إنسانية واسعة، ودعمًا للبنية التحتية، وتوفير خدمات إنترنت مجانية عبر شبكة "ستارلينك"، معتبرة أنها محاولة لزعزعة الاستقرار الداخلي.