«دولرة» العملات المستقرة.. خطر يهدد البنوك المركزية
حذر مسؤولون في بنوك مركزية ومؤسسات مالية دولية من تحولات عميقة في النظام النقدي العالمي بسبب العملات المستقرة.
وأوضح هؤلاء أن الاستخدام المتسارع للعملات المستقرة المرتبطة بالدولار الأمريكي في المدفوعات الدولية قد يؤدي إلى تسريع "الدولرة" في الاقتصادات الناشئة، وتقويض قدرة هذه الدول على التحكم في تدفقات الأموال، إلى جانب فتح الباب أمام مخاطر متزايدة تتعلق بالتهرب الضريبي والأنشطة غير المشروعة.
وتأتي هذه التحذيرات في وقت تشهد فيه العملات المستقرة (Stablecoins)، وهي أصول رقمية مربوطة بقيمة عملات تقليدية مثل الدولار، نموًا متسارعًا، مدفوعًا بتوسع استخدامها في التحويلات العابرة للحدود، وتزايد الاعتماد عليها كبديل للنقد في عدد من الأسواق الناشئة.
ونقل تقرير لصحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية عن مسؤولين في بنك التسويات الدولية إن هذه الأدوات الرقمية "تثير مخاطر جدية على نزاهة النظام المالي"، محذرين من أنها قد تسهّل التحايل على القواعد التنظيمية وتضعف فعالية ضوابط حركة رؤوس الأموال في الدول التي تسعى للحد من تدفقات النقد الخارجي.
وأشاروا إلى أن الاستخدام المتزايد للعملات المستقرة قد يؤدي إلى زيادة الاعتماد الفعلي على الدولار داخل الاقتصادات المحلية، حتى في غياب استخدامه الرسمي، وهو ما يُعرف بظاهرة "الدولرة غير المباشرة"، والتي تُضعف سيادة البنوك المركزية على السياسة النقدية.
وكان مسؤولون ماليون دوليون قد حذروا، خلال اجتماعات ربيع 2026 لصندوق النقد والبنك الدوليين في واشنطن، من أن هذا الاتجاه قد يخلق تحديات إضافية أمام الاستقرار المالي العالمي، لا سيما في الاقتصادات النامية التي تعاني أصلًا من هشاشة في أنظمتها النقدية.
حركة الأسواق أسرع من القواعد المنظمة لها
وقال محافظ بنك إنجلترا ورئيس مجلس الاستقرار المالي أندرو بيلي، إن وتيرة تطوير الأطر التنظيمية الدولية الخاصة بالعملات المستقرة تباطأت مقارنة بتوقعات سابقة، مشيرًا إلى أن الأسواق تتحرك أسرع من القواعد المنظمة لها. وأضاف أن "التحول في استخدام هذه الأصول قد يجبر العالم قريبًا على التعامل مع واقع جديد في النظام المالي".
ويأتي هذا التوسع في وقت تتزايد فيه شعبية العملات المستقرة عالميًا، حيث تشير بيانات السوق إلى أن نحو 98% من قيمتها الإجمالية البالغة مئات المليارات من الدولارات مقوّمة بالدولار الأمريكي، ما يعزز من هيمنة العملة الأمريكية في الفضاء الرقمي.
ويرى خبراء في صندوق النقد الدولي أن هذه العملات تقدم فوائد واضحة، خاصة فيما يتعلق بتسريع المدفوعات عبر الحدود وخفض تكلفتها، إلا أنهم يحذرون في الوقت ذاته من تداعياتها على السيادة النقدية للدول.
وقال أحد مسؤولي الصندوق إن "التحدي الأكبر يكمن في خطر الدولرة، وما يعنيه ذلك من تآكل قدرة البنوك المركزية على إدارة السياسة النقدية بشكل مستقل".
الاقتصادات الناشئة
وتشير تقديرات مصرفية دولية إلى أن حجم المدخرات المحتفظ بها في العملات المستقرة بالدولار في الاقتصادات الناشئة قد يرتفع من مستويات حالية تُقدّر بنحو 173 مليار دولار إلى أكثر من 1.2 تريليون دولار بحلول عام 2028، مع توقع أن يكون النمو الأكبر في دول تواجه أزمات ميزان مدفوعات أو تخضع لبرامج إصلاح مع صندوق النقد الدولي.
لكن هذا التوسع السريع يثير مخاوف متزايدة لدى السلطات النقدية. فقد أعرب مسؤولون سابقون في بنوك مركزية، من بينهم محافظ البنك المركزي الباكستاني السابق، عن قلقهم من أي تطورات قد تُضعف قدرة الدول على فرض ضوابط على حركة رؤوس الأموال، مؤكدين أن فقدان هذه الأدوات قد ينعكس سلبًا على الاستقرار الاقتصادي.
إجراءات تنظيمية
على الجانب التنظيمي، بدأت بعض الدول باتخاذ خطوات للحد من المخاطر. ففي البرازيل، تم إدخال مزودي خدمات العملات المستقرة ضمن القوانين الخاصة بمكافحة غسل الأموال، مع فرض سقوف على التحويلات الدولية بهدف تعزيز الرقابة المالية.
وفي المقابل، تعمل مؤسسات مالية دولية على تطوير بدائل تقنية لهذه العملات، عبر ما يُعرف بـ"الودائع المرمّزة"، وهي نظام يهدف إلى رقمنة الأموال داخل البنوك التقليدية، بما يسمح بإجراء تحويلات سريعة دون الخروج من الإطار التنظيمي المصرفي.
ورغم هذه الجهود، لا يزال القلق قائمًا بشأن الاستخدامات غير المشروعة لهذه العملات. فقد حذرت فرقة العمل المعنية بالإجراءات المالية من أن العملات المستقرة أصبحت أداة مفضلة في بعض عمليات غسل الأموال، إضافة إلى استخدامها في تمويل جرائم إلكترونية مثل الفدية والاحتيال الرقمي.
ويجمع مراقبون على أن العملات المستقرة تقف اليوم عند نقطة تحول حاسمة: فهي من جهة تمثل ابتكارًا ماليًا يعزز كفاءة النظام العالمي للمدفوعات، لكنها من جهة أخرى تطرح تحديات عميقة تتعلق بالسيادة النقدية، واستقرار الأسواق، والرقابة على التدفقات المالية.
وفي ظل غياب إطار تنظيمي دولي موحد حتى الآن، يبقى مستقبل هذه العملات مفتوحًا على سيناريوهات متعددة، تتراوح بين الاندماج الكامل في النظام المالي العالمي، أو التحول إلى مصدر جديد لعدم الاستقرار المالي والاقتصادي على مستوى الدول النامية والمتقدمة على حد سواء.
وفي الاقتصادات الناشئة، تتزايد حالات استخدام العملات المستقرة كأداة لحماية المدخرات من التضخم المرتفع، أو لتجاوز القيود المفروضة على تحويل الأموال إلى الخارج، أو للتحوط ضد تراجع قيمة العملات المحلية. ويرى محللون أن هذه العوامل تجعل الطلب عليها مرشحًا للارتفاع بشكل كبير خلال السنوات المقبلة.