كابيلو رجل فنزويلا القوي.. نفوذ السلطة وتحديات الواقع
ديوسدادو كابيلو يعد من أكثر الشخصيات نفوذا وإثارة للجدل داخل النظام الفنزويلي، وهو أيضا إحدى ركائز حكم الرئيس السابق نيكولاس مادورو.
فالرجل، الذي يشغل منصب وزير الداخلية ويُنظر إليه كقائد فعلي لأجهزة الأمن، بات بحسب صحيفة “التايمز“، محورًا رئيسيًا في معادلة السلطة الداخلية.
كما يُنظر إليه في واشنطن باعتباره عقبة محتملة أمام مساعي إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإعادة صياغة العلاقات مع فنزويلا.
ويظهر كابيلو، البالغ من العمر 62 عامًا والنقيب السابق في الجيش، بصورة تجمع بين الصرامة والاستعراض.
ففي برنامجه التلفزيوني الأسبوعي، يهاجم خصوم “الثورة البوليفارية” وهو يحمل هراوة يقول إنها نسخة طبق الأصل من أداة تعود إلى عصور ما قبل التاريخ، مقدّمًا نفسه بوصفه “جنديًا متواضعًا”، رغم شيوع روايات عن كونه من بين أثرى شخصيات البلاد.

ولا يقتصر حضوره على الشاشات، إذ يتحول ليلًا إلى شخصية رقابية، يجوب شوارع كاراكاس بسيارته المصفحة وبندقيته الجاهزة، مطمئنًا ملايين متابعيه عبر “تيك توك” بأن الأوضاع تحت السيطرة.
غير أن هذه الصورة العلنية تخفي نفوذًا أعمق وأكثر خطورة. إذ يسيطر كابيلو على أكثر مؤسسات الدولة إثارةً للخوف لدى الفنزويليين، بما في ذلك جهاز المخابرات، وأمن الدولة، والهجرة، والسجون، والشرطة.
كما يمسك بزمام جماعات “الكوليكتيفوس”، وهي مليشيات مسلحة موالية للنظام، تتحرك على دراجات نارية وتُتهم ببث الرعب في شوارع العاصمة فور تلقيها تعليمات مباشرة منه عبر تطبيق “تليغرام”.
وخلال الاضطرابات الأخيرة التي شهدتها كاراكاس، ظهرت هذه الجماعات بكثافة في الشوارع، حيث أقامت حواجز طرق وأجبرت المواطنين على تسليم هواتفهم وكلمات المرور الخاصة بهم، بحثًا عن أي دلائل على التعاطف مع المعارضة.
واعتبر مراقبون هذه المشاهد حملة قمع منسقة لإخماد أي مظاهر دعم علني للتحركات الأمريكية.
وعلى الصعيد الخارجي، تضع واشنطن كابيلو في صدارة استراتيجيتها تجاه فنزويلا.
فقد وُجهت إليه لائحة اتهام مماثلة لتلك التي استُخدمت لتبرير اعتقال الرئيس مادورو في الثالث من يناير/كانون الثاني الجاري، مع رصد مكافأة قدرها 25 مليون دولار مقابل معلومات تؤدي إلى اعتقاله.

ويواجه كابيلو اتهامات بالاتجار بالمخدرات وجرائم أخرى، ينفيها جميعًا واصفًا إياها بأنها “كذبة كبيرة”، كما وجّه البيت الأبيض تحذيرًا مباشرًا له مفاده أنه قد يكون التالي على قائمة الاعتقالات إذا حاول زعزعة استقرار البلاد.
وتثير هذه الضغوط الخارجية مخاوف من احتمال تفجّر صراع داخلي على السلطة، في وقت تسعى فيه واشنطن إلى فتح قناة تفاهم مع ديلسي رودريغيز، نائبة الرئيس مادورو والرئيسة المؤقتة للبلاد.
وتبدو رودريغيز، المعروفة ببراغماتيتها السياسية، منفتحة على التعاون مع إدارة ترامب، رغم اعتقال رئيسها في عملية دامية أسفرت عن مقتل نحو 100 شخص.
في المقابل، يعلن كابيلو ولاءه العلني لرودريغيز، وظهر إلى جانبها في حفل تأبيني بُكاراكاس لضحايا المواجهات الأخيرة، مؤكدًا دعمه “الكامل وغير المشروط” لها، وواصفًا إياها بـ“الأخت الحبيبة للثورة”.
إلا أن كثيرين يرون أن هذا الولاء قد يخفي غضبًا مكتومًا تجاه تقاربها المتزايد مع الولايات المتحدة.
ويمتلك كابيلو جذورًا عميقة داخل الحركة التشافيزية، تعود إلى عام 1992 حين شارك إلى جانب هوغو تشافيز في محاولة انقلاب فاشلة ضد الرئيس المنتخب آنذاك كارلوس أندريس بيريز، وقاد دبابات اقتحمت محيط قصر ميرافلوريس الرئاسي.
وسُجن كابيلو لعامين قبل أن يُفرج عنه بعفو عام، ثم أصبح أحد أعمدة المشروع السياسي لتشافيز، وتولى رئاسة البلاد لساعات خلال انقلاب عام 2002، قبل أن يتنحى مفسحًا المجال لعودة “القائد” إلى الحكم، وهي خطوة ضمنت له مكانة راسخة داخل النظام.
وعندما أعلن تشافيز خليفته قبل وفاته، اختار مادورو بدلًا من كابيلو، وسط شائعات عن غضب الأخير، غير أنه التزم بوصية الزعيم الراحل التي اختُزلت في ثلاث كلمات: “الوحدة، الوحدة، الوحدة”.
وفي عام 2024، عُيّن كابيلو وزيرًا للداخلية، وهو منصب يرى منتقدوه أنه منحه سيطرة غير مسبوقة على أدوات القمع.

نفوذ كابيلو يمتد إلى دائرة عائلته، إذ يدير شقيقه خوسيه مصلحة الضرائب الوطنية، بينما تقود ابنته دانييلا برنامجًا حكوميًا لترويج الصادرات، إلى جانب نشاطها كمؤثرة على وسائل التواصل الاجتماعي.
وتخضع العائلة بأكملها لعقوبات أمريكية بتهم الفساد وتقويض الديمقراطية، وهو ما يصفه كابيلو بحملة تشويه ممنهجة.
وفي أسلوب يذكّر بترامب، يطلق كابيلو ألقابًا ساخرة على خصومه، فيصف وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بـ“روبيو مدمن المخدرات”، ويشير إلى ترامب بلقب “الإمبراطور”.
ويرى السفير الأمريكي السابق لدى فنزويلا، جيمس ستوري، أن كابيلو يمثل خطرًا حقيقيًا على الاستقرار، مستشهدًا بحادثة مقتل المعارض فرناندو ألبان عام 2018، والتي قال إنها رسالة مباشرة إلى مادورو بعدم التفاوض مع الأمريكيين من دون موافقته.

في المقابل، يقلل آخرون من احتمالات تمرد كابيلو، معتبرين أن النظام الفنزويلي اعتاد توحيد صفوفه في أوقات الأزمات.
وقال رجل أعمال فنزويلي مقرّب من الحكومة إن “قدرة هذا النظام على البقاء هي سر عبقريته”، مضيفًا: “لو كان كابيلو ينوي الانقلاب، لفعل ذلك منذ زمن”.