وكأن الحرب في السودان قد اشتعلت اليوم، وليس قبل أربع سنوات، انطلقت قبل أيام جوقة كاملة محلية وإقليمية ودولية تحذر من الكارثة المحدقة في مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان، التي تشهد معارك ضارية للسيطرة عليها.
وهذا التحذير إنما كلمة حق يراد بها باطل.. كلمة حق لأن المخاوف على المدنيين بالأبيض مخاوف مشروعة، حيث تحاصرها قوات الدعم السريع من عدة جهات، كما تتحصن بها عشرات الآلاف من قوات الجيش والمليشيات المتحالفة معه.
وسبق وخبرنا مثل هذه الوضعية في مدينة الفاشر، حيث انتهت باقتحام المدينة بعد معارك ضارية، أدت إلى انتهاكات واسعة تجاه المدنيين، وليس من سبب يدعونا للاعتقاد بأنه لن تتكرر ذات الانتهاكات في الأبيض. ولكن مع أخذ كل ذلك في الحسبان، لا يستطيع أي منصف إلا أن يستنتج أن موجة التباكي هذه لا تعدو كونها دموع تماسيح.
فإذا كان هؤلاء يخشون حقاً من تكرار مأساة الفاشر، وليس مجرد الاستثمار السياسي في مآسي السودانيين، فعليهم طرح الأسئلة الجوهرية التي أدت إلى تلك المأساة التي يخشون تكرارها.
ومن هذه الأسئلة: من رفض كل مبادرات تحييد الفاشر عن الصراع؟ ومن رفض كل دعوات إيقاف إطلاق النار، وكان يتبجح بـ "لصمود الأسطوري وشنب الأسد"، بل ورفض قبل أيام قليلة من اقتحام الفاشر المبادرة الأمريكية في واشنطن بإعلان الهدنة الإنسانية؟!
وكذلك من رفض إجلاء المدنيين من الفاشر وفرض عليهم البقاء كدروع بشرية؟
ثم حين لاحت بوادر اقتحام المدينة، أصدر قراراً سرياً إجرامياً بأن يحول انتصار الدعم السريع العسكري المتوقع إلى هزيمة معنوية وأخلاقية، فوجه جواسيسه في الدعم السريع، مثل "النور قبة" وغيره، بارتكاب أبشع الانتهاكات تجاه الأبرياء وتوثيقها وتصويرها، في تحالف مع العناصر المتفلتة والمنتهكة في قوات الدعم السريع؟!
وإجابة كل هذه الأسئلة تؤشر إلى طرف الجيش المختطف من الإخوان المسلمين.
وإذ تطرح السرديات المتداولة عما جرى بالفاشر انتهاكات الدعم السريع وحدها، دون الإشارة ولو مجرد الإشارة لأدوار الإخوان/الجيش ومليشيات المشتركة الأجيرة، رغم دور هؤلاء في رفض تحييد المدينة ورفض مبادرات الهدنة الإنسانية وإجلاء المدنيين، بل واشتراكهم المباشر في الانتهاكات كوسيلة لشيطنة الخصم والدعاية الحربية، فإن هذه السرديات المتداولة، وإن صدقت في تحميل الدعم السريع المسؤولية عن الانتهاكات، وهي مسؤولية لا يمكن إنكارها وتتطلب المساءلة، إلا أنها كذلك سرديات كذوبة.
حيث تستند على ما يسمى بالدعاية الرمادية التي تذكر بعض الحقائق لتمرير حزمة كاملة من الأكاذيب، وهي الممارسة المعروفة بدس السم في العسل.
واليوم، إذ تتصايح جوقة هذه السرديات الكذوب بالتباكي على مدينة الأبيض، فإننا نذكرهم بأن المطلب الطبيعي لإيقاف المأساة المحدقة إنما هو الدعوة للموافقة على الهدنة الإنسانية في كافة أنحاء السودان، مما يجنب الأبيض وكادوقلي والدلنج وغيرها من مدن السودان ويلات الحرب.
ولكن الجوقة المتصايحة تعرف أن الإخوان/الجيش ومليشياتهم لن تقبل الهدنة الإنسانية، وتتوهم بأنها قادرة على تحقيق انتصار عسكري ساحق، ولذا بدلاً عن مساءلة الطرف الرافض للسلام، تذهب للطحن معه في طاحونة دعايته، فتولول عن مآسي الحرب التي يرفض إيقافها الطرف الذي يدعموه.
إن أي طرف محلي أو إقليمي أو دولي لا يربط زعمه عن مخاوفه على المدنيين في الأبيض بالمطلب الواضح والصريح بإيقاف الحرب وقبول الهدنة الإنسانية، إنما طرف كاذب ومضلل، وسواء عن قصد أو جهل، إنما يخدم طرف الإخوان/الجيش الرافض للسلام.
إن وقف الحرب كاملة هو الذي يقود إلى وقف الانتهاكات، أما الحديث عن الانتهاكات مع تجاهل الطرف الذي يرفض وقف الحرب ويعرقل جهود السلام فليس سوى نفاقٍ وبكاءٍ كذوبٍ على الضحايا، واستهتارٍ بأرواح السودانيين.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة