مغادرة الوفد الإيراني لمقر المفاوضات بسويسرا احتجاجاً على تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالعودة للعمليات العسكرية هي ثاني اختبار لمدى قدرة الاتفاق على مذكرة التفاهم التي تم توقيعها إلكترونياً بين ترامب والرئيس الإيراني مسعود بزيشكيان على الصمود.
الاختبار الأول كان يوم الخميس أي بعد يوم واحد من التوقيع وذلك بعد عودة النظام الإيراني لإغلاق مضيق هرمز، في مؤشر واضح على استمرار أزمة الثقة بين الطرفين وصعوبة الانتقال من مرحلة وقف التصعيد إلى مرحلة التسوية المستدامة.
قيمة الاتفاقات الدولية لا تُقاس بلحظة توقيعها، وإنما بقدرتها على التنفيذ؛ فنجاح أي اتفاق يرتبط بوضوح بنوده، ودقة آليات تطبيقه، ووجود ضمانات متبادلة تلزم الأطراف بالوفاء بالتزاماتها.
وكلما كانت التفاصيل محددة، انخفضت فرص الاختلاف وارتفعت احتمالات الاستقرار، وفي حالة التفاهم الأمريكي-الإيراني، تبدو الصورة أكثر تعقيداً مما توحي به التصريحات الرسمية. فالوثيقة المعلنة لا تبدو اتفاقاً نهائياً بالمعنى القانوني والسياسي، بقدر ما تمثل إطاراً عاماً أو "إعلان مبادئ" يحدد اتجاه العلاقة المستقبلية دون أن يحسم جميع الملفات الخلافية أو يرسم بصورة دقيقة آليات التنفيذ والجداول الزمنية الملزمة.
فقد جرى التوافق على عدد من القضايا بصورة عامة، بينما تُركت تفاصيلها للتفاوض اللاحق، وهو ما يفتح الباب أمام تفسيرات مختلفة قد تتحول مستقبلاً إلى نقاط خلاف جديدة. ومن أبرز هذه القضايا ملف الأموال والأرصدة الإيرانية المجمدة، إذ لا تزال الأسئلة الجوهرية مطروحة بشأن حجم المبالغ التي سيتم الإفراج عنها، وآلية صرفها، وما إذا كان ذلك سيتم على دفعات مرتبطة بتنفيذ إيران لالتزامات مقابلة، أم بصورة مستقلة عن باقي بنود التفاهم.
ويبقى البرنامج النووي الإيراني الملف الأكثر حساسية والأكثر تأثيراً في مستقبل العلاقة بين البلدين، باعتباره السبب الرئيسي الذي قاد إلى التصعيد والحرب. فقد أبدت طهران قبولاً بعدد من المطالب الأمريكية المتعلقة بتخصيب اليورانيوم وإخضاع أي عمليات تخصيب مستقبلية لرقابة دولية، إضافة إلى وضع آليات لتخزين المواد المخصبة الموجودة لديها. إلا أن هذه التفاهمات لا تزال تفتقر إلى تفاصيل أساسية، مثل النسب المسموح بها للتخصيب، وبروتوكولات التفتيش والرقابة، وآليات التحقق المستمر من الالتزام.
ولا تتوقف التحديات عند الملفات التي تضمنها التفاهم، بل تمتد إلى قضايا أخرى لم يُعلن عن حسمها، أو حتى عن إدراجها بصورة واضحة على جدول المفاوضات.
وتشير التصريحات الرسمية إلى أن الطرفين اتفقا على مواصلة الحوار بشأن هذه الملفات بالتوازي مع تنفيذ ما تم الاتفاق عليه، وهو ما يجعل الاتفاق الحالي بداية لمسار تفاوضي طويل أكثر منه نهاية للأزمة.
ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن المرحلة التي تلي الاتفاق قد تكون أكثر حساسية وتعقيداً من مرحلة التفاوض نفسها. فالتحدي الحقيقي لن يكون في صياغة النصوص، وإنما في ترجمتها إلى إجراءات عملية وسط بيئة إقليمية تتسم بانعدام الثقة وتضارب المصالح.
كما أن الظروف التي دفعت الطرفين إلى القبول بهذا التفاهم تعزز من حالة الحذر بشأن مستقبله. فمن منظور واشنطن، كان الهدف الأساسي يتمثل في ممارسة أقصى درجات الضغط على إيران وإجبارها على تقديم تنازلات تتوافق مع متطلبات الأمن والاستقرار الإقليمي، إلا أن التطورات الميدانية لم تحقق جميع الأهداف المرسومة، الأمر الذي دفع الإدارة الأمريكية إلى الجمع بين الضغط العسكري والمسار الدبلوماسي، بهدف فتح نافذة للحل ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع يصعب احتواؤها.
وفي المقابل، واجهت إيران تحديات عسكرية واقتصادية وسياسية كبيرة، إلى جانب خسائر بشرية ومادية أثرت في بنيتها الداخلية، فضلاً عن الضغوط الدولية التي صاحبت تهديد الملاحة في مضيق هرمز وما ترتب عليه من مخاوف بشأن أمن الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية. وقد شكلت هذه التطورات دافعاً إضافياً لطهران للبحث عن تسوية مؤقتة توقف النزيف وتمنحها فرصة لإعادة ترتيب أوضاعها الداخلية.
الاتفاق في حقيقته، لم يكن الخيار الاستراتيجي المفضل لأي من الطرفين، وإنما جاء استجابة لضرورات فرضتها ظروف الحرب وتكاليفها المتصاعدة. ولذلك فإن دوافع الالتزام به قد تظل مرتبطة بإدارة الأزمة الراهنة أكثر من ارتباطها بقناعة راسخة بإقامة شراكة مستقرة أو تسوية دائمة.
إن مستقبل هذا التفاهم سيظل رهناً بمدى قدرة الطرفين على بناء الثقة تدريجياً، والانتقال من إدارة الصراع إلى إدارة المصالح المشتركة. وفي غياب ذلك، ستبقى احتمالات العودة إلى التصعيد قائمة، خاصة إذا تعثرت المفاوضات حول الملفات المؤجلة أو ظهرت تفسيرات متباينة لبنود الاتفاق.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة