الصين بين أمريكا وإيران.. «دبلوماسية التوازن» تحصد مكاسب الحرب
عندما اندلعت الحرب في إيران قبل ما يقرب من 4 أشهر، واجهت الصين احتمال سقوط نظام حليف لها في طهران على غرار ما حدث في فنزويلا قبل ذلك بأسابيع.
لكن وفق تحليل لشبكة «سي إن إن» الأمريكية، فإنه مع توقيع الولايات المتحدة وإيران اتفاقاً مؤقتاً بعد أسابيع من المحادثات، برزت في الأوساط الصينية قراءات تعتبر أن الحرب أظهرت حدود القوة الأمريكية وفتحت المجال أمام تنامي الحضور الدبلوماسي لبكين.
ترحيب صيني بالاتفاق
ورحبت وزارة الخارجية الصينية بالإعلان عن الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، مؤكدة استعداد بكين للقيام بدور نشط في «استعادة السلام والهدوء» في الشرق الأوسط.
وعندما سُئل المتحدث باسم الوزارة لين جيان عما إذا كانت الصين لعبت دوراً في التوصل إلى الاتفاق، لم يؤكد مساهمة مباشرة، لكنه أشار إلى ما وصفه بالجهود الصينية «الدؤوبة» لإنهاء الحرب، بما في ذلك مبادرة السلام ذات النقاط الأربع التي طرحها الرئيس الصيني شي جين بينغ في أبريل/نيسان.
إشادة من ترامب
لم تقتصر الإشادة بالموقف الصيني على المسؤولين في بكين.
فقد شكر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نظيره الصيني شي جين بينغ خلال مؤتمر صحفي على هامش قمة مجموعة السبع في فرنسا، مشيراً إلى أن الزعيم الصيني حافظ على موقف محايد خلال الحرب.
وقال ترامب إن الصين لم تستخدم قوتها البحرية لتحدي الحصار الأمريكي على الموانئ الإيرانية، مضيفاً أن شي حاول المساعدة وربما ساهم بالفعل في التوصل إلى حل.
دبلوماسية حذرة
واتبعت الصين خلال الحرب نهجاً «حذرا ومتوازنا»، وفق التحليل، فقد أدانت الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران، وواصلت شراء النفط الإيراني رغم العقوبات الأمريكية، لكنها في الوقت نفسه أبقت قنوات الاتصال مفتوحة مع مختلف الأطراف.
وخلال فترة الصراع، استقبلت بكين عدداً من القادة والمسؤولين، من بينهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، إضافة إلى قادة باكستان التي لعبت دور الوسيط الرئيسي في النزاع.
ويشير التحليل إلى أنه ليس واضحاً ما إذا كانت الصين استخدمت نفوذها الدبلوماسي لدعم الاتصالات غير المعلنة التي مهدت للاتفاق الأخير، أو إلى أي مدى فعلت ذلك.
لكن مذكرة التفاهم التي وُقعت رسمياً، الأربعاء الماضي، فتحت فترة مدتها 60 يوماً للتفاوض على الصيغة النهائية للاتفاق.
وبالنسبة لبكين، فإن الزيارات الدبلوماسية التي شهدتها خلال الأزمة عززت رسالتها بأنها قوة عالمية مسؤولة تدعم التفاهمات السياسية في وقت تنخرط فيه أطراف أخرى في الحروب.
وأجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالاً هاتفياً مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الأربعاء، دعا خلاله إلى التعامل السليم مع الملاحة في مضيق هرمز.
وقال وانغ إن «فجر السلام قد لاح»، مضيفاً أن المرحلة المقبلة تتطلب التزام جميع الأطراف بتعهداتها وإزالة مختلف أشكال التدخل.
قراءة صينية لنتائج الحرب
وبالتزامن مع بدء مرحلة جديدة من المفاوضات بين واشنطن وطهران، تشهد الأوساط الفكرية الصينية نقاشاً بشأن ما حققته الولايات المتحدة من الحرب وتأثير ذلك على مكانتها الدولية.
وفي هذا السياق، اعتبر مدير مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة فودان في شنغهاي سون ديغانغ في مقال نشرته صحيفة «غلوبال تايمز»، أن غياب دعم بعض الحلفاء الرئيسيين للحرب يعكس، وفق قوله، مؤشرات على انقسامات داخل نظام التحالفات الذي تقوده الولايات المتحدة.
كما برزت آراء أخرى في الصين اعتبرت أن بكين حققت مكاسب من الحرب.
فقد كتب المعلق السياسي هو شيغين أن الحرب أثرت في نظرة العالم إلى الصين، وأظهرت نجاح التخطيط الاستراتيجي الصيني في التعامل مع صدمات الطاقة، إضافة إلى جاذبية ما وصفه بمسار التنمية السلمي الذي تتبعه البلاد.
وربط هو شيغين بين نتائج الحرب وملف تايوان، معتبراً أن الصراع أظهر حدود المخزونات الأمريكية من الذخائر، وعدم قدرة واشنطن على تشكيل تحالف غربي حتى في مواجهة إيران.
وتعتبر الصين تايوان جزءاً من أراضيها، وتؤكد باستمرار أنها لا تستبعد استخدام القوة من أجل ضم الجزيرة.
وفي هذا الإطار، تساءل هو شيغين عن مدى قدرة الولايات المتحدة على إقناع حلفائها الأوروبيين بمواجهة الصين خدمة للمصالح الأمريكية.
توازن المصالح
ورغم هذه النقاشات، يوضح التحليل أن الصين حرصت طوال الحرب على إدارة مصالحها بحذر، فعلى الرغم من دعمها السياسي لإيران، تجنبت بكين توجيه انتقادات حادة للولايات المتحدة، كما حافظت على اتصالاتها مع دول الخليج التي تعرضت لهجمات إيرانية.
ويُعتقد على نطاق واسع أن الصين شجعت طهران في وقت سابق على الحوار مع واشنطن، بينما تواصل في الوقت نفسه الحفاظ على موقعها كأكبر مشترٍ للنفط الإيراني.
هل تحل الصين محل أمريكا؟
ويشير التحليل إلى أن عدداً من المراقبين الصينيين لا يرون أن أي تراجع محتمل في النفوذ الأمريكي يعني تلقائياً صعود الصين إلى قمة النظام الدولي.
كما يؤكد مسؤولون ومحللون صينيون أن بكين لا تسعى إلى أن تكون قوة عظمى وفق النموذج الأمريكي.
وفي هذا السياق، قال الباحث في مركز الأمن والاستراتيجية الدولية بجامعة تسينغهوا، سون تشنغهاو، إن الولايات المتحدة لا تزال أقوى فاعل خارجي في الشرق الأوسط، لكن ما تغير هو أن الحفاظ على هذه المكانة بات يتطلب تكاليف سياسية وعسكرية واقتصادية وسمعية أكبر.
وأضاف أن الصراع قد يجعل الرؤية الصينية القائمة على السيادة وعدم التدخل والحلول السياسية والتنمية أكثر جاذبية لدى عدد من الدول.
لكنه شدد في الوقت نفسه على أن المصداقية لا تُبنى من خلال انتقاد السياسات الأمريكية فقط، بل من خلال القدرة على تقديم حلول دبلوماسية عملية، وضمان استقرار الطاقة، والمساعدة في تهيئة الظروف اللازمة لخفض التصعيد.