رهان ستارمر الأوروبي.. طوق نجاة أم تنازلات مكلفة؟
يبدو أن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يضع جزءًا كبيرًا من رهانه السياسي على ما يسميه "إعادة ضبط" العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، في محاولة لالتقاط أنفاس حكومته بعد الانتكاسات السياسية الأخيرة وتعزيز موقعه الداخلي.
غير أن هذا الرهان، وفق تقديرات سياسية متزايدة، قد يكون محفوفًا بالمخاطر، إذ لا تبدو بروكسل راغبة في تقديم طوق نجاة مجاني لزعيم بريطاني يواجه ضغوطًا متصاعدة على جبهته الداخلية، بل قد ترى في ضعفه فرصة سانحة لانتزاع تنازلات إضافية تعزز مصالحها الاستراتيجية.
ووفقا لموقع صحيفة "التليغراف"، تشهد الكواليس الدبلوماسية حاليًا جولة مفاوضات مكثفة بين لندن والمفوضية الأوروبية تمهيدًا لقمة مرتقبة في بروكسل خلال يوليو/تموز المقبل، حيث يجري بحث حزمة ترتيبات جديدة لما بعد "بريكست".
وتشمل هذه التفاهمات المحتملة اتفاقًا لتنقل الشباب بين الجانبين، وتسهيلات تجارية في قطاع الأغذية والمشروبات، فضلًا عن محاولة لإحياء المفاوضات الخاصة بمشاركة المملكة المتحدة في برنامج الاتحاد الأوروبي لإعادة التسلح.
ويرى مقربون من ستارمر أن التوصل إلى اختراق ملموس في هذه الملفات قد يمنحه دفعة سياسية يحتاجها بشدة، خصوصًا بعد الأداء الضعيف لحزب العمال في الانتخابات المحلية الأخيرة.
فالحزب، تاريخيًا، يُنظر إليه على أنه أكثر انفتاحًا تجاه أوروبا مقارنة بمنافسيه من المحافظين أو حزب الإصلاح البريطاني بقيادة نايجل فاراج، ما يجعل أي انفراجة مع بروكسل ورقة يمكن توظيفها داخليًا لإعادة تقديم الحكومة بوصفها قادرة على تحقيق مكاسب عملية بعيدًا عن صخب السجالات الإيديولوجية التي رافقت مرحلة الخروج من الاتحاد.
لكن الاعتقاد بأن بروكسل ستتعامل بمرونة خاصة مع ستارمر لمجرد أنه أكثر توافقًا سياسيًا معها، ينطوي على قدر كبير من سوء تقدير لطبيعة المؤسسات الأوروبية وآليات عملها.
فالمفوضية الأوروبية، رغم خطابها الرسمي عن "بدايات جديدة" مع لندن، لا تزال تتعامل مع العلاقة البريطانية من منظور براغماتي صارم تحكمه موازين المصالح لا الاعتبارات السياسية العابرة.
داخل المفوضية نفسها، تتباين المواقف بين تيار يدعو إلى مقاربة أكثر واقعية تأخذ في الحسبان المتغيرات الجيوسياسية والحاجة إلى تعاون أوثق مع بريطانيا، وتيار آخر أكثر تشددًا لا يزال يحمل إرث مفاوضات "بريكست" الطويلة، ويرفض منح لندن أي مزايا قد تبدو، ولو رمزيًا، مكافأة لدولة اختارت مغادرة التكتل.
وقد ظهر هذا التشدد بوضوح في المفاوضات الخاصة ببرنامج "أمان" الأوروبي لتمويل الصناعات الدفاعية، حين دخلت بريطانيا المحادثات مستعدة للمساهمة بنحو 300 مليون يورو، قبل أن تفاجأ بمطالب أوروبية رفعت السقف إلى ستة مليارات يورو.
هذا الفارق الكبير عكس، في نظر كثيرين، استعداد بروكسل لاستخدام حاجات لندن الأمنية والسياسية كورقة ضغط تفاوضية.
الأمر لا يتوقف عند الملف الدفاعي. فستارمر يسعى أيضًا إلى التوصل لاتفاق بشأن مواءمة القواعد البريطانية مع المعايير الأوروبية في مجالات الصحة النباتية والحيوانية، بهدف تسهيل انسياب التجارة.
غير أن هذا المسار يضع حكومته أمام معضلة سياسية، إذ إن مثل هذا التوافق يعني فعليًا خضوع بريطانيا لجزء من قواعد بروكسل، بينما تحاول الحكومة في الوقت ذاته الاحتفاظ بخيارات انسحاب مستقبلية، وهو مطلب يبدو صعب التحقيق في ظل موقع تفاوضي متراجع.
وتزداد حسابات الاتحاد الأوروبي تعقيدًا بسبب وجود دول مرشحة للعضوية، مثل أوكرانيا ودول غرب البلقان وربما أيسلندا، تراقب عن كثب أي تسهيلات قد تُمنح للمملكة المتحدة. فبروكسل لا تستطيع سياسيًا أن تبدو وكأنها تقدم لدولة خرجت من الاتحاد صفقة أكثر جاذبية من تلك المعروضة على دول تسعى للانضمام إليه.
وفي الداخل البريطاني، زاد ستارمر من رهانه السياسي حين وجه انتقادات مباشرة لـ"بريكست"، معتبرًا أنه أضعف الاقتصاد البريطاني وأضر بالأمن الوطني وأسهم في زيادة الهجرة.
لكنه، في المقابل، تجنب الدعوة الصريحة للعودة إلى الاتحاد الأوروبي أو السوق الموحدة أو الاتحاد الجمركي، محافظًا رسميًا على الخطوط الحمراء التي أعلنها حزب العمال.
غير أن حديثه عن "قفزة نوعية" في العلاقات مع أوروبا، وإصراره على إنجاز اتفاق بشأن تنقل الشباب، يشير إلى استعداده للذهاب بعيدًا في مسار التقارب، وهو ما يمنح بروكسل انطباعًا واضحًا بأنه يحتاج إلى اتفاق أكثر مما يحتاجه الاتحاد نفسه.
وهنا تكمن معضلة ستارمر الأساسية: فحين يربط مستقبله السياسي بنجاح إعادة ضبط العلاقة مع أوروبا، فإنه يبعث بإشارة ضعف واضحة إلى المفاوض الأوروبي، الذي يدرك جيدًا أن رئيس الوزراء البريطاني يحتاج إلى إنجاز سياسي عاجل. والمفوضية الأوروبية، المعروفة ببرودها التفاوضي، لا تنظر إلى هذه المعادلة بعين العاطفة، بل تراها فرصة لتعظيم المكاسب.