سياسة

لماذا يا قطر؟!

السبت 2017.6.3 10:31 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 543قراءة
  • 0 تعليق

في تاريخ العرب الحديث سجلت العديد من المحطات نفسها كمؤشرات على مدى تقدم الوعي الجمعي لأمة عانت منذ نشأتها من المؤامرات الخارجية والصراعات الداخلية، ومن الطبيعي أن لا تكون جميع هذه المؤشرات سلبية خاصة في حال تقارب حجم المكتسبات مع حصيلة الخسائر.

أحداثنا وأرقامنا شكلت على مدى عقود جبالاً من التجارب المؤلمة التي رسمت خارطة البؤس في المنطقة، وكرسها القوميون حتى أصبحت تناقضات لم تحل معادلاتها منذ مطلع خمسينيات القرن الماضي وحتى يومنا هذا، وخلقت ارتباكاً أصبح ظاهرة مزمنة في الإعلام العربي.

وهكذا استمرت الأمور على المسرح الإعلامي العربي فتجاوزت الأمة نكسات الستينيات، وغموض السبعينيات، وتحولات الثمانينيات.. حتى وصل القطار إلى محطة منتصف التسعينيات، وهي محطة مهمة سيقف أمامها كاتب تاريخ الإعلام العربي طويلاً، فقد بدأت فصولها عندما اجتمع الطموح غير المنضبط لحكام دولة خليجية مع كتيبة جمعت الأصولي بالليبرالي ومزجت الشيوعي بالرأسمالي في قناة مثلت الوريث لقناة (بي بي سي).

أصبح من المستحيل على غابة من أشجار التوت ستر عورة القناة ومعها سياسة قطر، فكان السؤال مختلفاً هذه المرة.. لماذا يا قطر؟!

كان المبدأ الأول للقناة الجديدة هو الإبهار من خلال تجديد أساليب وطرق عرض المادة الخبرية، وتنويع مصادر الأخبار من خلال إيجاد شبكة كبيرة من المراسلين اعتماداً على ميزانية عالية وفرتها الحكومة القطرية، وكان المتلقي العربي حينها سعيداً بذلك التغيير في الصورة النمطية لنشرات الأخبار التي اعتاد عليها في التلفزيونات العربية، وكان التفسير الوحيد لوجود هذه القناة في قطر لا يتجاوز في ذلك الحين رغبة الإمارة في اقتناء شيء مختلف عن الشقيقات الخمس اللاتي كن حينها قد قطعن أشواطاً أطول منها في مختلف المجالات التنموية.

أما المبدأ الثاني الذي عملت بموجبه القناة فكان تغيير الحقائق من خلال تجميل القبيح، وتشويه الجميل، وإظهار العالم على أنه أمم تتصارع في قرية تحترق باستثناء مربع صغير رسم عليه شعار القناة، وظهر ذلك جلياً في تغطياتها لأحداث 11 سبتمبر وما بعدها فقد كانت المنصة المفضلة لأسامة بن لادن وقادة القاعدة، وكان السؤال الذي يتردد مع كل ظهور لابن لادن أو سليمان أبو غيث والظواهري.. لماذا الجزيرة فقط؟!

كانت الإجابات حينها غير مكتملة.. فمعظم المحللين وخاصة الخليجيين كانوا يتوقفون في منتصف الحديث في حرص واضح على الحفاظ على اسم قطر بعيداً عن القناة والشبهات التي تكبر يوماً بعد يوم حولها.

في مرحلة الحرب الأمريكية على العراق بدا واضحاً أن القناة تجاوزت مراهقة جس النبض، وبدأ أسلوب فصلها عن سياسة قطر غير منطقي، فسهام الجزيرة ستوجه إلى كل من تغضب قطر من صنيعه، وكان النفاق السياسي في الدوحة سبباً في ارتباك القناة، فأصبح من الطبيعي أن تشاهد في نشراتها وبرامجها ليلاً مظاهر الشجب لما كرسته نهاراً.. فكان السؤال في هذه المرحلة: ماذا تريد قطر؟

في خريف العرب أو "الربيع العربي" كما أسماه عرابوه وأدواته -ومن بينها قطر- لم تتوقف محاولات إشعال الفتنة وتأليب الشعوب على أوطانها، وجاءت مرحلة حزب اللات وأذنابه، وداعش وأخواتها، والحوثي وشركاه.. وهنا أصبح من المستحيل على غابة من أشجار التوت ستر عورة القناة ومعها سياسة قطر، فكان السؤال مختلفاً هذه المرة.. لماذا يا قطر؟!


الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات