فرضية «تامر عاشور».. العلم يثبت أن الأغاني التي نستمع إليها أصبحت أكثر كآبة
لطالما كانت الموسيقى مرآة تعكس مشاعر المجتمعات وتحولاتها الثقافية، فهي لا تقتصر على الترفيه أو قضاء وقت ممتع، بل تمثل وسيلة للتعبير عن الأفكار والقيم والانفعالات التي يعيشها الناس في كل عصر.
دراسة علمية حديثة كشفت عن تحول لافت في مضمون الأغاني الشعبية على مدار العقود الماضية، إذ أصبحت كلماتها أكثر قتامة وسلبية مقارنة بما كانت عليه في ستينيات القرن الماضي، مع تراجع واضح للرسائل التي تعبر عن التعاطف والرحمة والفضيلة، في مقابل تصاعد الموضوعات المرتبطة بالأذى والخيانة والتمرد والانحلال الأخلاقي.
وأجرى الدراسة فريق من الباحثين حلل أكثر من 380 ألف أغنية باللغة الإنجليزية صدرت بين عامي 1960 و2023، بهدف تتبع التغيرات التي طرأت على اللغة الأخلاقية والعاطفية المستخدمة في الأغاني الأكثر انتشارًا، ورصد العلاقة بين هذه التحولات والتغيرات الثقافية التي شهدها العالم خلال العقود الستة الماضية.
وأكد الباحثون أن النتائج لا تعني بالضرورة أن الموسيقى أصبحت "سيئة" أو أن المجتمع يشهد انهيارًا أخلاقيًا، بل إنها تعكس التغيرات التي طرأت على الثقافة الإنسانية وطريقة تعبير الأفراد عن مشاعرهم وقضاياهم الاجتماعية.
الموسيقى أكثر من مجرد وسيلة للترفيه
يشير الباحثون إلى أن الموسيقى تؤدي أدوارًا نفسية واجتماعية مهمة تتجاوز مجرد الاستماع إليها. فكثير من الأشخاص يعتمدون على قوائم تشغيل معينة لتحسين حالتهم النفسية، أو زيادة الحماس أثناء ممارسة الرياضة، أو حتى تخفيف التوتر والقلق.
كما أن الكلمات التي تحمل رسائل إيجابية قد تشجع المستمع على اتخاذ خطوات بناءة في حياته، بينما يمكن للكلمات السلبية أو العدوانية أن تؤثر في الحالة النفسية بصورة مختلفة. وعلى مدار التاريخ، لعبت الأغاني أيضًا دورًا في دعم الحركات الاجتماعية والسياسية، والمساعدة في نشر أفكار التغيير داخل المجتمعات.
دراسات سابقة ربطت الموسيقى بالأخلاق
لم تكن هذه الدراسة الأولى التي تحاول فهم العلاقة بين الموسيقى وسلوك الإنسان. ففي عام 2025، توصلت دراسة أخرى إلى أن الأغاني الحديثة أصبحت أقل تعقيدًا من الناحية الموسيقية مقارنة بالماضي، وهو ما يرجحه الباحثون إلى التطور التكنولوجي الذي جعل إنتاج الموسيقى أكثر سهولة وسرعة.
كما كشفت دراسة أجرتها جامعة "كوين ماري" في لندن عام 2023 أن الذوق الموسيقي قد يعكس القيم الأخلاقية للشخص، حيث تبين أن خصائص الموسيقى نفسها، إلى جانب كلمات الأغاني، تستطيع التنبؤ ببعض القيم التي يؤمن بها المستمع، مثل التعاطف والعدالة والولاء واحترام السلطة والنقاء.

تحليل غير مسبوق لمئات الآلاف من الأغاني
في الدراسة الجديدة، استخدم الباحثون تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل اللغة لفحص أكثر من 377 ألف أغنية ضمن قاعدة بيانات موسيقية ضخمة، ثم أضافوا نحو 5500 أغنية أخرى من الأغاني التي تصدرت قوائم "بيلبورد" حتى عام 2023.
وهدفت هذه العملية إلى تتبع مدى انتشار الكلمات والمفاهيم الأخلاقية المختلفة داخل الأغاني، سواء تلك التي ترتبط بالفضائل مثل الرحمة والنقاء والولاء، أو تلك التي تعكس الرذائل مثل الأذى والخداع والتمرد والانحلال.
وأظهرت النتائج أن اللغة المرتبطة بالفضائل تراجعت تدريجيًا على مدار العقود، بينما ازدادت بصورة ملحوظة الكلمات التي تعبر عن الصراع والعنف والخيانة والرفض والتمرد.
ارتفاع كبير في الكلمات السلبية
كشفت الدراسة عن زيادات لافتة في استخدام عدد من الموضوعات السلبية داخل الأغاني بين عامي 1960 و2010.
فقد ارتفعت الكلمات المرتبطة بالانحلال أو التدهور الأخلاقي، مثل الشعور بالقذارة أو الفساد أو الانكسار أو السقوط الروحي، بنسبة وصلت إلى 52%.
كما ارتفعت المفردات التي تشير إلى الأذى والعنف والانتقام والمعاناة وإيذاء الآخرين بنسبة تجاوزت 49%.
أما الكلمات التي تتناول الخداع والغش والنفاق أو عدم المساواة، فقد سجلت زيادة تقارب 48%، بينما ارتفعت موضوعات التمرد ورفض القوانين والسلطة والفوضى بأكثر من 40%.
وعند توسيع التحليل ليشمل الأغاني الصادرة حتى عام 2023، استمرت الاتجاهات نفسها، بل أصبحت أكثر وضوحًا، إذ ارتفعت كلمات الخداع بنسبة تقارب 71%، والانحلال بنسبة تزيد على 62%، والتمرد بأكثر من 50%، فيما ارتفعت كلمات الأذى والعنف بأكثر من 36%.

تراجع واضح للفضائل
في المقابل، سجلت الدراسة انخفاضًا ملحوظًا في الكلمات التي تعكس القيم الإيجابية.
فقد تراجعت المفردات المرتبطة بالرعاية والاهتمام بالآخرين وتخفيف معاناتهم بنسبة تجاوزت 24% خلال العقود الأولى من الدراسة، بينما انخفضت الكلمات المرتبطة بالنقاء والبراءة والخلاص الروحي بنحو 12%.
كما تراجع الحديث عن الولاء والانتماء للأسرة أو الجماعات أو المجتمع بنسبة تزيد على 11%.
واستمرت هذه الاتجاهات حتى عام 2023، حيث انخفضت كلمات الرعاية بأكثر من 30%، بينما تراجعت كلمات النقاء بأكثر من 21%.
ورغم ذلك، أوضح الباحثون أن بعض القيم لم تتغير كثيرًا، إذ بقيت موضوعات مثل الخيانة عند مستويات متقاربة نسبيًا، بينما شهدت مفاهيم العدالة واحترام السلطة ارتفاعًا محدودًا.
انعكاس للتغيرات الثقافية
ويرى الباحثون أن الموسيقى ليست مجرد وسيلة للتسلية، وإنما سجل ثقافي يعكس طبيعة المجتمع في كل مرحلة زمنية.
وأوضحوا أن تحليل مئات الآلاف من الأغاني يمنح الباحثين فرصة لفهم الطريقة التي تتغير بها المشاعر الجماعية والقيم الاجتماعية، وهي أنماط قد يصعب ملاحظتها من خلال متابعة عدد محدود من الأغاني فقط.
وأكد الفريق أن تصاعد الموضوعات السلبية لا ينبغي تفسيره باعتباره مؤشرًا على تراجع أخلاق المجتمع، بل يعكس تغيرًا في طريقة التعبير الفني، إلى جانب تأثير الأحداث السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، وتغير طبيعة صناعة الموسيقى نفسها، التي أصبحت تعتمد بدرجة أكبر على لفت الانتباه وإثارة الجدل.
اختلاف بين الرجال والنساء في مضمون الأغاني
كما رصدت الدراسة اختلافات في طبيعة الكلمات المستخدمة بحسب جنس الفنانين.
فقد تبين أن الفنانات أكثر ميلًا لاستخدام كلمات ترتبط بالرعاية والتعاطف والولاء، في حين استخدم الفنانون الرجال أو الفرق المختلطة كلمات ترتبط بدرجة أكبر بالأذى والتمرد والانحلال.
لكن الباحثين شددوا على ضرورة التعامل مع هذه النتائج بحذر، لأن تصنيف الفنانين اعتمد على تقسيم ثنائي للجنس، كما أن قاعدة البيانات ضمت عددًا أكبر بكثير من الفنانين الرجال مقارنة بالنساء.
الموسيقى مرآة للمجتمع
ويخلص الباحثون إلى أن الموسيقى تمثل سجلًا مهمًا لفهم تطور المجتمعات، لأنها تعكس الطريقة التي يعبر بها الناس عن مشاعرهم وقيمهم وقضاياهم المختلفة.
وترى الدراسة أن متابعة التغيرات في كلمات الأغاني قد تساعد العلماء على فهم التحولات المرتبطة بالصحة النفسية، والهوية الثقافية، والتماسك الاجتماعي، خاصة في وقت تشهد فيه المجتمعات تغيرات متسارعة في أنماط الحياة وأساليب التواصل والتعبير.
وبينما قد تبدو كلمات الأغاني اليوم أكثر قتامة مما كانت عليه قبل ستة عقود، فإن الباحثين يؤكدون أن هذه الظاهرة ليست بالضرورة مؤشرًا على تراجع الأخلاق، بل نافذة لفهم الكيفية التي تتغير بها المجتمعات، وكيف تعكس الموسيقى، باستمرار، نبض العصر وتحولاته.