البلاستيك.. من اختراع أنقذ الفيلة إلى أزمة تخنق العالم
لم يعد البلاستيك مجرد مادة تدخل في تفاصيل الحياة اليومية، بل تحول إلى تحدٍ عالمي يمس البيئة وصحة الإنسان والاقتصاد، وسط جهود دولية متعثرة للحد من مخاطره المتفاقمة.
مع تزايد الطلب العالمي، تجاوز إنتاج البلاستيك عالميا 400 مليون طن سنويًا، فيما تشير التوقعات إلى اقترابه من مليار طن بحلول عام 2050.
ويُستخدم نحو نصف هذه الكميات مرة واحدة فقط، بينما لا يُعاد تدوير سوى 9% من إجمالي النفايات البلاستيكية، الأمر الذي يترك آثارا بيئية واسعة النطاق.
وتشير التقديرات إلى أن التلوث البلاستيكي يتسبب في نفوق نحو 100 مليون حيوان بحري سنويا، نتيجة ابتلاع الجسيمات البلاستيكية الدقيقة، التي تؤدي إلى انسداد الجهاز الهضمي، لتنتهي حياة تلك الكائنات بالنفوق أو الموت جوعًا.
ورغم هذه الأرقام الصادمة، فإن قصة البلاستيك بدأت بهدف مختلف تماما، إذ كان الغرض الأساسي من ابتكاره الحفاظ على الموارد الطبيعية وحماية الحياة البرية.
وتعود بداية القصة إلى القرن التاسع عشر، عندما شهد العالم ما عُرف بـ"العصر الذهبي للبلياردو"، بعدما تحولت اللعبة من هواية تقتصر على النخبة والطبقة الأرستقراطية إلى رياضة جماهيرية تُمارس في الحانات وصالات الألعاب، وهو ما أدى إلى ارتفاع الطلب على كرات البلياردو والطاولات والأدوات المرتبطة بها.
في ذلك الوقت، كانت كرات البلياردو تُصنع من العاج المستخرج من أنياب الفيلة، ما تسبب في تصاعد عمليات الصيد وفرض ضغوط هائلة على أفيال أفريقيا وآسيا، حتى أصبحت مهددة بالانقراض.
وخلال ستينيات القرن التاسع عشر، أعلنت إحدى الشركات الأمريكية مكافأة مالية قدرها 10 آلاف دولار لمن ينجح في ابتكار مادة بديلة للعاج.
وفي تلك الفترة، نجح المخترع الأمريكي جون ويزلي هايت في تطوير مادة عُرفت باسم السيلولويد، والتي تُعد أول بلاستيك صناعي في التاريخ.
إلا أن المشكلة لم تنتهِ عند هذا الحد، إذ اتضح أن السيلولويد مادة شديدة القابلية للاشتعال، قبل أن تظهر لاحقًا مواد بديلة أكثر تطورًا، لتبدأ معها حقبة البلاستيك الحديث مع مطلع القرن العشرين.
مفارقة تاريخية
تكشف رحلة تطور البلاستيك عن مفارقة لافتة؛ فالمادة التي ابتُكرت أساسًا للحفاظ على الموارد الطبيعية وحماية الكائنات الحية، باعتبارها بديلًا للعاج وقرون الحيوانات والمواد الطبيعية النادرة، تحولت مع مرور الزمن إلى واحدة من أخطر المشكلات البيئية في العالم، نتيجة التوسع الهائل في إنتاجها وسوء إدارة مخلفاتها.
وفي هذا السياق، تقول مسؤولة حملة البلاستيك في منظمة غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فرح حطاب، في تصريحات لـ"العين الإخبارية": "إن انخفاض سعر البلاستيك لا يعكس تكلفته الحقيقية، لأن هذه التكلفة تشمل أضرارًا طويلة الأمد على صحة الإنسان والبيئة والمناخ. كما رأينا خلال أحداث الحرب الأخيرة، لم يعد البلاستيك تلك السلعة الرخيصة والمتاحة بسهولة".
العدو غير المرئي
لا تقتصر مخاطر البلاستيك على تلويث البيئة، بل تمتد لتشمل صحة الإنسان بصورة متزايدة، مع اكتشاف وجود جزيئات بلاستيكية دقيقة داخل أعضاء وأنسجة بشرية، ما يثير مخاوف متصاعدة بشأن آثارها الصحية طويلة الأمد.
وكشفت دراسة نُشرت في دورية New England Journal of Medicine في مارس/آذار 2024 عن وجود جسيمات بلاستيكية دقيقة ونانوية داخل لويحات تصلب الشرايين، بما يعزز احتمالات ارتباط التلوث البلاستيكي بأمراض القلب والأوعية الدموية.
وشملت الدراسة 304 مرضى خضعوا لجراحات إزالة لويحات الشريان السباتي، حيث استخدم الباحثون تقنيات متقدمة، من بينها التحليل الطيفي، والمجهر الإلكتروني، وتحليل النظائر المستقرة، لفحص العينات بدقة.
وأظهرت النتائج أن 58.4% من المرضى احتوت لويحاتهم على جزيئات من البولي إيثيلين، بينما احتوت 12.1% منها أيضًا على بولي فينيل كلوريد (PVC)، وهو أحد أشهر البوليمرات البلاستيكية الصناعية.
وخلص الباحثون إلى أن المرضى الذين وُجدت لديهم هذه الجزيئات كانوا أكثر عرضة للإصابة بالنوبات القلبية أو السكتات الدماغية أو الوفاة بمعدل يقارب 4.5 مرة مقارنة بمن لم تُكتشف لديهم تلك الجسيمات.
ولا تتوقف المخاطر عند هذا الحد، إذ أشار تقرير صادر عن منظمة الصحة العالمية (WHO) في أغسطس/آب 2019 إلى أن العديد من الدراسات رصدت وجود الجسيمات البلاستيكية الدقيقة في مياه الشرب، سواء في مياه الصنبور أو المياه المعبأة.
ورغم ذلك، أوضح التقرير أن الأدلة العلمية المتوافرة آنذاك لم تكن كافية لإثبات وجود مخاطر صحية مباشرة عند المستويات الحالية لهذه الجسيمات في مياه الشرب، لكنه أوصى بتحسين إدارة النفايات البلاستيكية والحد من تسربها إلى البيئة لتقليل المخاطر المحتملة مستقبلًا.
وتقول فرح حطاب: "لقد تأخر إدراك المخاطر الصحية، لأن الاهتمام انصب لسنوات طويلة على النفايات البلاستيكية التي نراها، وليس على الجزيئات البلاستيكية الدقيقة التي لا تُرى".
وتضيف: "اليوم تُرصد جزيئات الميكروبلاستيك في أنسجة وأعضاء بشرية مختلفة، بينما لا تزال آثارها الصحية الكاملة قيد الدراسة".
وتؤكد هذه النتائج أن الصورة العلمية بشأن التأثيرات الصحية للملوثات البلاستيكية لم تكتمل بعد، إلا أن المؤشرات الأولية تدعو إلى القلق، خاصة مع استمرار انتشار الجزيئات البلاستيكية الدقيقة في الهواء والمياه والغذاء.
وهنا يبرز سؤال محوري: إذا كان البلاستيك يشكل تهديدًا متزايدًا للبيئة والمناخ وصحة الإنسان والكائنات الحية، فلماذا لا ينتقل العالم بوتيرة أسرع إلى استخدام البلاستيك المستدام؟
لماذا لا يختفي البلاستيك؟
برز مفهوم البلاستيك المستدام بوصفه أحد أبرز الحلول المطروحة للحد من الأضرار البيئية، ويشير إلى أنواع من المواد البلاستيكية ذات تأثير أقل على البيئة مقارنة بالبلاستيك التقليدي المصنوع من المشتقات النفطية وغير القابل للتحلل.
وتندرج تحت هذا المفهوم عدة أنواع، أبرزها البلاستيك الحيوي، الذي يُنتج من مصادر نباتية مثل الذرة وقصب السكر والسليلوز، إضافة إلى البلاستيك القابل للتحلل، الذي تستطيع الكائنات الحية الدقيقة تفكيكه إلى مواد أبسط في ظل ظروف بيئية محددة.
ورغم ما يوفره هذا النوع من مزايا بيئية، فإن التحول إليه لا يزال يواجه عقبات كبيرة تحول دون اعتماده على نطاق واسع.
وتوضح فرح حطاب، أن أحد أبرز هذه التحديات يتمثل في ترسخ ثقافة "الاستخدام ثم الرمي" داخل المجتمعات.
وتقول: "تبقى ثقافة الاستخدام ثم الرمي، والعقلية الاستهلاكية، من أكبر العقبات أمام تقليل الاعتماد على البلاستيك. وهذه الثقافة لم تنشأ بصورة تلقائية، بل غذّتها عقود من الحملات التسويقية التي قدمت المنتجات أحادية الاستخدام باعتبارها رمزًا للراحة وتسهيل الحياة اليومية".
وتضيف أن المشكلة لا تتوقف عند أنماط الاستهلاك، بل تمتد إلى ما يُعرف بـالتضليل الأخضر (Greenwashing)، الذي أصبح يمثل تحديًا متزايدًا أمام المستهلكين وصناع القرار.
وتوضح: "من أخطر التحديات أيضًا ظاهرة التضليل الأخضر، إذ تُسوَّق بعض المنتجات والأكياس على أنها «قابلة للتحلل»، بينما لا تتحلل فعليًا في الظروف الطبيعية، كما تُقدَّم إعادة التدوير باعتبارها الحل الشامل، رغم أن أقل من 10% من النفايات البلاستيكية عالميًا يُعاد تدويرها".
وتؤكد حطاب أن اختزال الأزمة في إعادة التدوير وحدها لا يعالج جوهر المشكلة، مضيفة: "أزمة البلاستيك تبدأ من الإنتاج والتصميم وأنماط الاستهلاك، وليس من صندوق النفايات فقط".
وتعكس هذه الرؤية تحولًا في طريقة التعامل مع القضية، إذ لم يعد التركيز منصبًا على إدارة المخلفات بعد إنتاجها، بل على تقليل إنتاج البلاستيك غير الضروري، وإعادة تصميم المنتجات، وتشجيع أنماط الاستهلاك الأكثر استدامة، بما يحد من تراكم النفايات منذ البداية.
طموح عالمي يصطدم بالخلافات
في مارس/آذار 2022، وافقت الدول الأعضاء في جمعية الأمم المتحدة للبيئة (UNEA) على إطلاق مفاوضات لإعداد معاهدة عالمية ملزمة قانونيًا لمكافحة التلوث البلاستيكي، بإشراف برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP)، في خطوة وُصفت بأنها الأكثر طموحًا منذ اتفاق باريس للمناخ.
وتهدف المعاهدة المرتقبة إلى خفض إنتاج المواد البلاستيكية غير الضرورية، وتحسين تصميم المنتجات البلاستيكية، والحد من استخدام البلاستيك أحادي الاستخدام، وزيادة معدلات إعادة التدوير، وتعزيز إدارة النفايات، ومنع تسربها إلى البحار والمحيطات.
ورغم مرور أكثر من عامين على انطلاق المفاوضات، فإن المبادرة لم تتحول حتى الآن إلى معاهدة دولية ملزمة، نتيجة استمرار الخلافات بين الدول بشأن عدد من الملفات الجوهرية.
وتوضح فرح حطاب، أن ضعف طموح بعض الدول لا يزال يمثل العقبة الأكبر أمام التوصل إلى اتفاق فعّال.
وتقول: "يشكّل ضعف طموح بعض الدول عائقًا أمام التوصل إلى معاهدة عالمية فعالة، في وقت تستمر فيه المفاوضات حتى مارس/آذار 2027. فالعالم لا يحتاج إلى اتفاق يقتصر على إدارة النفايات، بل إلى معاهدة تعالج دورة حياة البلاستيك بالكامل، وتضع حدودًا للإنتاج، وتحظر البلاستيك أحادي الاستخدام، وتشجع إعادة الاستخدام، وتوفر آليات تمويل واضحة وعادلة تضمن انتقالًا عادلًا نحو اقتصاد خالٍ من النفايات".
تضارب المصالح
ولا تقتصر الخلافات على مستوى الطموح، بل تمتد إلى جوهر المعاهدة نفسها.
ففي حين تدعو مجموعة من الدول إلى فرض قيود واضحة على إنتاج البلاستيك الجديد، ترى دول أخرى أن الأولوية يجب أن تقتصر على تحسين إدارة النفايات وتوسيع عمليات إعادة التدوير، دون فرض قيود على الإنتاج.
كما يبرز ملف التمويل باعتباره أحد أكثر الملفات تعقيدًا في المفاوضات، إذ تطالب الدول النامية بالحصول على دعم مالي وتقني يمكّنها من تطوير أنظمة إدارة النفايات والتحول إلى بدائل أكثر استدامة.
وفي المقابل، تعتمد اقتصادات عدد من الدول المنتجة للنفط والمواد الخام البتروكيماوية بصورة كبيرة على صناعة البلاستيك، ما يجعلها تتحفظ على أي التزامات قد تؤثر في صناعاتها أو صادراتها، وتطالب بضمانات وتعويضات اقتصادية لتخفيف آثار التحول.
ويرى مراقبون أن هذه المصالح الاقتصادية المتشابكة تجعل التوصل إلى اتفاق عالمي أكثر صعوبة، خاصة مع اختلاف أولويات الدول بين حماية البيئة والحفاظ على النمو الاقتصادي.
وترى فرح حطاب أن انتظار التوصل إلى معاهدة دولية لا ينبغي أن يؤخر اتخاذ إجراءات وطنية أكثر حسمًا للحد من التلوث البلاستيكي.
وتختتم حديثها قائلة: "من المهم أن تعتمد الدول سياسات محلية واضحة من أجل مستقبل خالٍ من البلاستيك. ففي كثير من دول منطقتنا لا تكمن المشكلة دائمًا في غياب التشريعات، بل في ضعف تنفيذها على أرض الواقع. فحظر البلاستيك أحادي الاستخدام، وتطبيق مبدأ المسؤولية الممتدة للمنتِج، يمثلان خطوات جادة، لكنهما يحتاجان إلى رقابة صارمة، وإنفاذ مستمر، وآليات واضحة لقياس الأثر."
وتضيف أن نجاح هذه السياسات يتطلب أيضًا إعادة توجيه الاستثمارات نحو قطاعات أكثر استدامة، مثل الطاقة المتجددة، والزراعة الذكية، والسياحة المستدامة، بما يضمن بناء اقتصاد أكثر قدرة على مواجهة التحديات البيئية، ويحد من الاعتماد المتزايد على البلاستيك التقليدي.