«بون» يعيد هندسة مفاوضات المناخ قبل COP31.. خريطة طريق نحو توافق أسرع
بينما تتسارع تداعيات التغير المناخي عالميا، تتجه الأنظار إلى كفاءة المفاوضات الدولية باعتبارها مفتاح تحويل التعهدات إلى قرارات قابلة للتنفيذ، وهو ما وضعه اجتماع بون 2026 في صدارة أولوياته.
اعتادت مدينة بون الألمانية استضافة الاجتماعات التمهيدية لمؤتمر الأطراف المعني بتغير المناخ في منتصف كل عام، حيث احتضن مركز المؤتمرات العالمي هذا العام أعمال الدورة الرابعة والستين للهيئتين الفرعيتين لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (SB64)، وهما الهيئة الفرعية للمشورة العلمية والتكنولوجية والهيئة الفرعية للتنفيذ، وذلك خلال الفترة من 8 إلى 18 يونيو/حزيران 2026.
وخلال الاجتماعات، ناقشت الأطراف سبل تطوير آليات التفاوض، بهدف رفع كفاءة العملية التفاوضية تمهيدًا للدورة الحادية والثلاثين لمؤتمر الأطراف (COP31)، المقرر عقدها في مدينة أنطاليا التركية خلال نوفمبر/تشرين الثاني 2026.
تحديات التفاوض
لطالما واجهت مفاوضات المناخ تحديات معقدة أثرت في سرعة التوصل إلى توافقات دولية، وانعكست على نتائج مؤتمرات الأطراف السابقة. ولذلك، خصص اجتماع بون هذا العام مساحة واسعة لمناقشة سبل تحسين آليات التفاوض، بعدما شهدت ملفات عديدة تأجيلات متكررة من مؤتمر إلى آخر.
وتتمثل أبرز العقبات في اعتماد نظام اتخاذ القرارات بالإجماع، إذ يتطلب اعتماد أي قرار موافقة جميع الأطراف المشاركة في الاتفاقية. ويعني ذلك أن اعتراض دولة واحدة، أو مجموعة صغيرة من الدول، قد يكون كافيًا لتعطيل إصدار القرار أو تأجيله، وهو ما يبطئ التوصل إلى اتفاقات حاسمة.
ومن جهة أخرى، ما تزال الخلافات بين الدول النامية والدول المتقدمة تمثل أحد أبرز معوقات التفاوض؛ إذ تطالب الدول النامية بزيادة التمويل، وتسريع نقل التكنولوجيا، وتعزيز برامج بناء القدرات، بينما تركز الدول المتقدمة بصورة أكبر على جهود التخفيف وخفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري. وقد أدى هذا التباين في الأولويات إلى تأخير التوافق بشأن العديد من النصوص خلال مؤتمرات الأطراف السابقة.
كما يشكل تضخم جدول أعمال مؤتمرات المناخ تحديا إضافيا، إذ تتزايد الموضوعات المطروحة عامًا بعد عام، بينما تتطلب كل قضية نقاشات قانونية وفنية معمقة، وهو ما يجعل الوقت المتاح غير كافٍ لدراسة جميع الملفات بالكفاءة المطلوبة.
بون 2026.. إصلاح آليات التفاوض
تسهم هذه التحديات مجتمعة في إبطاء مسار العمل المناخي العالمي، لذلك ركز اجتماع بون 2026 على تطوير آليات التفاوض وتحسين كفاءتها.
وفي هذا السياق، قال المنسق المصري السابق لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (UNFCCC)، هشام عيسى، لـ"العين الإخبارية": "كان تحسين آليات التفاوض أحد أبرز الموضوعات التي ناقشتها اجتماعات بون الأخيرة، ليس بهدف تعديل اتفاق باريس، وإنما لجعل المفاوضات أكثر كفاءة وشفافية، وتعزيز قدرتها على التوصل إلى قرارات قبل انعقاد مؤتمر الأطراف المقبل (COP31) في أنطاليا، وذلك بعد الانتقادات المتكررة لطول المفاوضات، وتكدس جدول الأعمال، وصعوبة الوصول إلى توافق بين نحو 200 دولة".
وأضاف أن هذه الآليات تؤدي دورا محوريا في تنظيم مؤتمرات الأطراف، من خلال تحسين إدارة جدول الأعمال، ووضع أطر أكثر وضوحا، وتقليص عدد البنود المرحّلة من المؤتمرات السابقة، ومنح الأولوية للقضايا ذات الأهمية السياسية، إلى جانب الحد من تكرار النقاشات الفنية داخل أكثر من لجنة.
تطوير آليات العمل
وأوضح عيسى أن الأطراف اتفقت خلال اجتماع بون على عدد من الإجراءات الهادفة إلى رفع كفاءة المفاوضات، من بينها تشجيع المشاورات غير الرسمية بين الدول قبل انطلاق الجلسات الرسمية، وإعداد نصوص تفاوضية مبكرة، حتى لا تبدأ المناقشات من نقطة الصفر خلال مؤتمر الأطراف.
وأضاف أن هذه الإجراءات تشمل أيضا الحد من تمديد المؤتمرات لساعات أو أيام إضافية، وزيادة مستويات الشفافية والشمول، من خلال منح المجموعات الإقليمية والدول النامية فرصًا أكبر للمشاركة في صياغة النصوص، وتحسين إتاحة المعلومات لجميع الوفود في الوقت نفسه، بما يقلل الخلافات الإجرائية.
وأشار إلى أن اجتماعات بون تنجز أكبر قدر ممكن من العمل الفني عبر الهيئتين الفرعيتين، الهيئة الفرعية للتنفيذ والهيئة الفرعية للمشورة العلمية والتكنولوجية، على أن تُحال فقط الملفات السياسية التي تتطلب قرارات وزارية إلى مؤتمر الأطراف، وهو ما يسمح لوزراء البيئة والمناخ بالتركيز على القضايا الاستراتيجية بدلًا من الانشغال بالتفاصيل الفنية.
وأكد أن هذا النهج يعزز قدرة اجتماع بون على دفع العمل المناخي إلى الأمام وتحقيق تقدم ملموس قبل انعقاد مؤتمر الأطراف.
بناء التوافق
ناقشت الأطراف كذلك خلال اجتماع بون كيفية معالجة واحدة من أبرز العقبات التي تواجه المفاوضات، وهي آلية بناء التوافق.
وأوضح هشام عيسى أن الدول بحثت وسائل تحد من تعطيل المفاوضات عندما تعترض دولة أو مجموعة صغيرة على نص تفاوضي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على مبدأ الإجماع الذي تقوم عليه اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ.
ماذا يعني ذلك لمؤتمر COP31؟
يشير تحسين آليات التفاوض إلى إمكانية رفع كفاءة مؤتمرات الأطراف المقبلة، وتسريع عملية اتخاذ القرار بشأن الملفات المناخية الكبرى.
وقال هشام عيسى إن هذه الإصلاحات ستوفر وقتا أكبر لمناقشة القضايا السياسية رفيعة المستوى، وستقلل عدد الملفات المؤجلة إلى المؤتمرات التالية، كما سترفع جودة النصوص النهائية، وتحد من الخلافات التي تظهر عادة خلال الأيام الأخيرة من المؤتمر، فضلًا عن تعزيز ثقة الدول في منظومة التفاوض متعددة الأطراف، وهو ما يمثل عنصرًا أساسيًا لتنفيذ اتفاق باريس.
واختتم حديثه قائلا: "تمثل اجتماعات بون المطبخ الفني لمفاوضات المناخ، بينما يمثل مؤتمر الأطراف منصة اتخاذ القرار السياسي. وكلما أصبحت آليات التفاوض في بون أكثر كفاءة وتنظيمًا، زادت فرص نجاح مؤتمرات الأطراف في اعتماد قرارات أكثر طموحًا وقابلة للتنفيذ".