وكالة استخبارات جديدة.. اليابان تطوي إرث ما بعد الحرب العالمية الثانية
تتجه اليابان إلى إعادة رسم منظومتها الأمنية بإطلاق أول وكالة استخبارات مركزية متكاملة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، في خطوة تعكس تحولاً استراتيجياً في عقيدتها الأمنية لمواجهة بيئة إقليمية تزداد تعقيداً.
ويأتي القرار في ظل تصاعد التوترات مع الصين وروسيا وكوريا الشمالية، إلى جانب تنامي الهجمات الإلكترونية وحملات التضليل المعلوماتي، وهي تحديات دفعت طوكيو إلى مراجعة نموذجها التقليدي القائم على توزيع المهام الاستخباراتية بين عدد من المؤسسات الحكومية، وفقا لصحيفة نيويورك تايمز.
وأقرت حكومة رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي إنشاء "مكتب الاستخبارات الوطني"، الذي يُعد أكبر إصلاح تشهده منظومة الأمن القومي اليابانية منذ عقود.
وسيتولى المكتب الجديد توحيد جهود جمع المعلومات وتحليلها، بعدما كانت هذه المهام موزعة بين وزارة الخارجية ووكالة الشرطة الوطنية ووزارة الدفاع وأجهزة حكومية أخرى، دون وجود جهة مركزية تتولى تنسيق العمل الاستخباراتي الخارجي.
ومن المتوقع أن يضم المكتب نحو 700 موظف، مع تكليفه بتطوير قدرات اليابان في جمع المعلومات وتحليلها والاستجابة السريعة للتهديدات المتنامية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
كما استعانت الحكومة اليابانية بخبرات أمنية واستخباراتية من الولايات المتحدة وأستراليا وألمانيا أثناء وضع الهيكل التنظيمي للوكالة الجديدة، في إطار تعاون أوسع مع الحلفاء الغربيين لتعزيز القدرات الاستخباراتية اليابانية.
ويمثل إنشاء الوكالة تحولاً لافتاً في السياسة الأمنية لليابان، التي تبنت منذ عام 1945 نهجاً سلمياً حدّ من توسع مؤسساتها العسكرية والاستخباراتية.
وعلى مدى عقود، حافظت طوكيو على هيكل استخباراتي مجزأ تجنباً لتركيز الصلاحيات في جهاز واحد، إلا أن الحكومة ترى اليوم أن المتغيرات الجيوسياسية لم تعد تسمح باستمرار هذا النموذج، في ظل تزايد المخاطر الأمنية واتساع نطاق التهديدات غير التقليدية.
وتشير التقديرات الرسمية إلى أن البيئة الأمنية المحيطة باليابان شهدت تغيرات جذرية خلال السنوات الأخيرة، مع تصاعد الأنشطة العسكرية الصينية في شرق آسيا، واستمرار تجارب كوريا الشمالية الصاروخية، إلى جانب تنامي التحديات المرتبطة بروسيا عقب الحرب في أوكرانيا.
كما تواجه طوكيو مخاطر متزايدة ناجمة عن الهجمات السيبرانية وعمليات التأثير الأجنبي وحملات التضليل الرقمي التي تستهدف الرأي العام والبنية التحتية الحيوية.
وسيعمل مكتب الاستخبارات الوطني على تنسيق عمليات جمع المعلومات وتحليلها بين مختلف الأجهزة الحكومية، مع رفع تقاريره إلى مجلس استخبارات وطني جديد برئاسة رئيس الوزراء، بما يضمن سرعة تبادل المعلومات وتوفير تقييمات موحدة لصناع القرار خلال الأزمات.
ويؤكد خبراء الأمن أن هذا النموذج سيعالج أحد أبرز أوجه القصور في النظام السابق، والمتمثل في بطء تدفق المعلومات بين المؤسسات المختلفة.
الإصلاحات لن تقتصر على الجوانب الأمنية التقليدية، بل تمتد إلى تعزيز مفهوم الأمن الاقتصادي، في ظل المكانة العالمية التي تحتلها اليابان في صناعات أشباه الموصلات والروبوتات والتقنيات المتقدمة.
وتخشى الحكومة من تعرض هذه القطاعات الحيوية لعمليات تجسس صناعي أو محاولات للاستحواذ على التكنولوجيا الحساسة، ما دفعها إلى تشديد الرقابة على الاستثمارات الأجنبية ومنح السلطات صلاحيات أوسع لمراجعة الصفقات المرتبطة بالصناعات الاستراتيجية.
وتشير الحكومة إلى أن إنشاء وكالة الاستخبارات الجديدة لن يكون سوى المرحلة الأولى ضمن برنامج إصلاح أشمل لمنظومة الأمن القومي، إذ تدرس طوكيو حالياً تحديث تشريعات مكافحة التجسس، وتوسيع صلاحيات جمع المعلومات الاستخباراتية خارج الحدود، بما يتماشى مع التحولات المتسارعة في البيئة الأمنية الدولية.
ويعكس هذا التوجه انتقال اليابان من سياسة الاكتفاء بالدفاع التقليدي إلى تبني منظومة أمنية أكثر تكاملاً ومرونة، قادرة على التعامل مع التحديات العسكرية والتكنولوجية والاستخباراتية التي باتت تشكل ملامح المنافسة الدولية في القرن الحادي والعشرين.