حشد قبلي في الريان.. ملامح مواجهة قد تقطع شرايين الحوثي الخفية
ما بدأ كخلاف على فيلا في صنعاء، واحتجاز لشيخ قبلي، سرعان ما تحول إلى حشد قبلي في صحراء الريان، ليرسم ملامح مواجهة جديدة قد تقطع شرايين التهريب الحوثية.
ففي المجتمعات القبلية اليمنية، قد تكون كلمة واحدة «مهينة» أشد وقعا من الاعتقال، مما يفسر تحول قضية شيخ قبلي إلى «نقمة» على مليشيات الحوثي.
ويوم الأربعاء، كشف الحزمي، عن تعرضه لأبشع أنواع التعذيب في سجون الحوثيين على مدار خمسين يوما، بعد إفلاته من قبضة المليشيات الانقلابية شمال اليمن.
وفور وصوله إلى مطارح قبائل «بني نوف-المرازيق»، اتهم بشكل مباشر قيادات بارزة في مليشيات الحوثي بينهم أبوعلي الحاكم، وفارس مناع، وعلي حسين الحوثي، بممارسة ضغوط شديدة عليه لإجباره على الإقرار على "تهم ملفقة".
وأمام حشد من قبائل الجوف في بلدة الريان الخاضعة للحكومة المعترف بها دوليا، أقدم الحزمي على كسر "الجَفْل" وهو جزء من الجنبية (الخنجر)، في عرف قبلي كطلب للنصرة والاستنفار.
وأوضح أن تصريحاته السابقة التي أدلى بها قبل إطلاق سراحه كانت تحت الإكراه و«شهادة زور» أُجبر عليها حفاظًا على سلامته الشخصية، وحمايةً لفتاة استجارت به تُدعى ميرا صدام حسين.
ودعا الحزمي كافة قبائل اليمن بما فيها قبائل دهم، وبكيل، وحاشد، ومذحج، للاستنفار والتكاتف والوقوف إلى جانبه للثأر لكرامته ومواجهة الانتهاكات الحوثية.
في السياق، رحب حلف قبائل دهم في بيان بعودة الشيخ حمد بن فدغم الحزمي إلى بين أهله وقومه، مؤكداً أن دهم كانت وستظل السند الحصين لأبنائها، وأن الحلف يقف إلى جانب القبيلة في كل ما يمس شأنها وكرامتها ووحدتها، ولن يتوانى عن القيام بواجبه القبلي والأخلاقي تجاه جميع أبناء دهم.
وأكد الحلف أنه تابع قضية الشيخ حمد بن فدغم منذ لحظاتها الأولى، وكان حاضراً في مختلف مراحلها، وبذل ما يستطيع من جهود ومساعٍ حتى وصوله إلى منطقة الريان، حرصا على لم الشمل، وتعزيز أواصر الأخوة، وترسيخ قيم الوفاء والتكاتف بين أبناء القبيلة..
وتشير معلومات حصرية حصلت عليها «العين الإخبارية» إلى بدء توافد مجموعات قبلية صوب صحراء الريان، تضم عناصر من قبائل مراد وعبيدة والجدعان وأخرى من قبائل دهم وبكيل وحتى قبائل الصيعر والمناهيل والكرب.
موقع استراتيجي
وتقع الريان في حزام صحراوي شمال شرق مأرب، وتشكل جزءا من تضاريس مفتوحة. وترتبط المنطقة بسلسلة من الجبال والممرات الصحراوية الممتدة من الحيد إلى جاس وقاو ولعصام، وصولا إلى الطريق الدولي قرب الرويك.
وتمنح هذه الجغرافيا صحراء الريان قيمة استراتيجية، فهي تقع خلف خطوط التماس من جانب الحكومة المعترف بها دوليا، وفي الوقت نفسه قريبة من الطرق الصحراوية التي يقال إن الحوثيين يستخدمونها في التهريب والتسلل.
وبحسب مصادر إعلامية فقد استخدم الحوثيون المنطقة كـ"جزء من مسار لنقل الأسلحة ومكونات الطائرات المسيرة وقطع الصواريخ والأفراد".
ويقول مراقبون إن هذه الجغرافيا، تجعل الريان واحدة من أكثر العقد الصحراوية حساسية في الشبكة اللوجستية للحوثيين خارج جبهات القتال المباشرة، وتؤكد أن التحرك القبلي الحالي خطرا على المليشيات.
مخاوف قبلية
ويقول موقع «شيبا إنتليجنس»، إنه حصل على معلومات تشير إلى مخاوف قبلية من "محاولة اغتيال محتملة ضد الزعيم القبلي ابن فدغم" في الريان، وترتبط هذه المخاوف بوجود خلايا مرتبطة بالحوثيين تعمل في المنطقة وما حولها.
ووفقا لمعلومات الموقع، تعمل الخلية ضمن شبكة أوسع مرتبطة بمهام تهريب وأمنية خلف خطوط الحكومة. وتشير المعلومات أيضا إلى مهرب حشيش يُعرف بـ"بدران"، ينشط في تهريب المخدرات منذ عام 2006، ويشغل حاليا منصب قائد لواء لدى الحوثيين.
وتفيد المعلومات بأن بدران دخل مناطق قريبة من الريان عبر طرق صحراوية وكثبان رملية بعيدا عن مراقبة الجيش، والتقى بأعضاء الخلية، وكلفهم بمهام، ثم غادر.
وتشير التقديرات إلى أن معظم زيارات بدران للمنطقة تمت خلال عام 2026، مما يوحي بأن الريان اكتسبت أهمية متزايدة في حسابات الحوثيين هذا العام.
وتتمتع المنطقة -أيضا- بأهمية قبلية عميقة، إذ ترتبط الريان بامتدادات قبلية من الجوف، تشمل بني نوف، وهو فرع كبير من قبيلة دهم، التي تنتمي إلى همدان وتضم عدة فروع أخرى. وقد تسمح هذه البيئة القبلية لقضية ابن فدغم بأن تنتقل من خصومة فردية إلى قضية اجتماعية أوسع.
وبحسب معلومات «شيبا إنتليجنس» فإن قبائل المرازيق احتجزت أربعة أشخاص من سحار في صعدة، مع شاحناتهم، في 18 يونيو/حزيران الجاري، قبل الإفراج عن ابن فدغم.
ووفقا للمعلومات، كانت هذه الحادثة أحد عوامل الضغط التي ساهمت في الإفراج عنه، مما يشير إلى أن الضغط القبلي، وليس الوساطة وحدها، هو ما فرض القضية على أجندة الحوثيين.
جذور القضية
وتعود جذور القضية إلى خلاف على الفيلا المرتبطة بالسيدة المعروفة باسم ميرا صدام حسين، والتي لجأن لقطع خصلة من شعرها وتقديمها لزعماء القبائل في الجوف وتحديدا الشيخ حمد فدغم الحزمي، طلباً للحماية وفق العرف القبلي، في خطوة استنفرت قبائل واسعة في الجوف ومأرب.
ولم تكتف مليشيات الحوثي بنهب الفيلا، بل عمدت لاعتراض موكب الشيخ الحزمي في بلدة الحتارش على خط صنعاء – الجوف، لتقوم باعتقاله مع المرأة التي كانت تحت حمايته القبلية، في خطوة اعتبرتها القبائل انتهاكاً للأعراف والتقاليد القبلية السائدة.
واعتبرت قبائل دهم عملية الاعتقال "سابقة خطيرة" تمس القيم القبلية الراسخة، لا سيما ما يتعلق بحماية المستجير واحترام الجوار القبلي، مؤكدة أن ما جرى يعد خرقاً واضحاً للأعراف القبلية المتعارف عليها.