الجنبية اليمنية.. رمز تراثي وخنجر للوجاهة
الجنبية اليمنية رمز تراثي يمني أصيل، ارتبط بالهوية الشعبية التي ولازم اليمنيين منذ مئات السنين.
وتجاوزت الجنبية كونها خنجرًا تراثيًا لتصبح عنوانًا للوجاهة المجتمعية، ورافقت الرجال لتعبر عن الفخر والاعتزاز والمكانة خاصة في البيئة القبلية.
والجنبية نصل وغمد "عسيب" تراثي، يرتبطان بحزام يُلف على الخصر ويلبسه الرجل اليمني؛ ليتزين به في المناسبات والأعياد تعبيرًا عن الاعتزاز بالجذور التاريخية والشعبية.

صناعة فريدة وأنواع عديدة
ونظرًا لمكانتها شعبيًا ومجتمعيًا، تكتسب صناعة الجنابي أهميةً كبيرة في اليمن، وتصل أسعارها إلى مبالغ خرافية أحيانًا؛ عطفًا على نوعيتها وأصنافها.
حيث تصنع بطرق وأساليب فريدة، ونقوشها البديعة تشكل حكايةً مستقلة، تعبر عن حضارة عريقة تتوارثها الأجيال اليمنية بكل حب وفخر.
وتتطلب صناعة الجنبية مهارةً وحرفيةً عالية؛ حيث يُصنع "النصل" من الحديد الصلب أو الفولاذ، في حين يُصاغ "المقبض" (الرأس) بعناية فائقة، ويصنع الغمد "العسيب" من الخشب المغطى بالجلد أو الخيوط الملونة.

وتتعدد أنواع الجنابي اليمنية بحسب جودة مقبضها، وأبرزها النوع "الصيفاني" وهو الأغلى والأثمن كونه مصنوع من رأس وحيد القرن، وهناك "الاسعدي" المنسوب إلى ملوك التتابعة، بالإضافة إلى "العزيري" المتميز بنقوشه الجميلة.
الجنبية على تماثيل الفرسان
تقول الخبيرة اليمنية، المتخصصة في التراث والأدب الشعبي، نجيبة الفقيه، إن الجنبية اليمنية هي إحدى أبرز الرموز الثقافية في اليمن.
وكشفت الفقيه، خلال تصريح خاص لـ"العين الإخبارية"، أن ارتداء الجنبية اليمنية يعود إلى أزمنة غابرة، فقد ظهرت في كثير من تماثيل الفرسان الأثرية القديمة، والذين كانوا يرتدون ما يشبه الخنجر بشكلها المقوس المميز.

الفقيه لفتت إلى أن التماثيل الأثرية بيّنت أنها كانت توضع على "جانب" من الخصر، وربما كان هذا سبب تسمية الخنجر اليمني بـ"الجنبية".
وأشارت إلى أن الجنبية هي عبارة عن "خنجر حديدي"، له مقبض وحزام يُلف حول الخصر، وتتراوح قيمتها وفقًا لنوع المقبض والخشب المصنوع منه؛ لذلك تعكس وجاهةً اجتماعية للرجل ومكانته وقدرته المادية، بحسب الخبيرة اليمنية.
هوية ورمز مجتمعي
وتواصل الفقيه: "رغم أن الجنبية نوع من الخناجر، أي من الأسلحة التي تصنع للدفاع عن النفس، لكن غلب عليها الطابع الرمزي كهوية يمنية تُلبس إتمامًا للزي التقليدي في الأعياد والمناسبات الاجتماعية".
وترى أن الجنبية تلعب دورًا في مواطن الصلح القبلي كوسيلة للتعبير عن حسن النوايا، بالإضافة إلى استخدامها في الأعراس والمناسبات الاجتماعية خلال أداء الرقصات اليمنية، خاصة في مناطق شمال اليمن، كصنعاء، صعدة، وعمران وغيرها.

واعتبرت المتخصصة في الأدب الشعبي، نجيبة الفقيه، أن الجنبية ارتبطت ببعض المواقف في المجتمعات القبلية كرمز للكرامة، ومسُّها وقت الشجار يمثل مسًا بكرامة الرجل، وربما تم الاقتصاص والاحتكام بسبب ذلك.
وأضافت أن هذا يدل على شدة تعلق القبيلي اليمني بهذا النوع من الأسلحة المجاورة لجسده كعنصر متمم للأناقة من جهة، وعلامة وجاهة وكرامة من جهة أخرى.
واختتمت الفقيه حديثها بالقول: "في كل الأحوال تبقى الجنبية رمزًا وطنيًا، وهويةً ثقافية يمنية تربط عراقة الأجداد بالمدنية التي يعيشها الجيل الحاضر".