في واشنطن، لا تقرأ جميع المؤشرات من شاشات البورصة أو تقارير البنتاغون، فبعض المراقبين يلتفتون إلى مشهد أبسط شكلا وأكثر إثارة مضمونا، يتمثل في علب بيتزا تسلم على عجل في ساعة متأخرة من الليل.
قد تبدو المسألة مجرد وجبة لموظفين يواصلون العمل، غير أن البعض يعتبرها «جرس إنذار» مبكرا ينبئ باقتراب قرارات عسكرية مصيرية. فبحسب ما يتداوله مراقبون، تتحول طلبات الطعام في العاصمة الأمريكية إلى مؤشر استباقي يستدل منه على تحركات كبرى داخل دوائر صنع القرار.
ومع كل تصاعد للتوترات في الشرق الأوسط وارتفاع حدة الخطاب السياسي والعسكري، يعود الحديث عن ما يُعرف بـ«مؤشر البيتزا الأمريكي».
يرسم وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث صورة مختلفة لما قد تبدو عليه ليالي العاصمة. ففي إحدى ليالي الجمعة، قد يلحظ المراقبون تكدسًا غير معتاد لطلبات «دومينوز بيتزا» في محيط المؤسسات السيادية، وهو ما يفسره البعض كإشارة إلى حالة استنفار داخل دوائر القرار.
لكن، وفق ما أُثير على لسان وزير الدفاع الأمريكي، فإن هذا النشاط المكثف عبر تطبيقات التوصيل قد لا يكون مجرد جوع مفاجئ، بل ربما يندرج ضمن «تشويش تقني» أو حالة إرباك متعمدة تبقي الجميع في دائرة الترقب.
وبين ازدحام الطلبات وحركة التوصيل الكثيفة، يتجدد الجدل: هل هو ضغط عمل طبيعي يفرض بقاء الموظفين لساعات إضافية؟ أم مؤشر غير معلن يعكس قرارات كبرى «تُطبخ» خلف الأبواب المغلقة؟
كيف وُلدت الفكرة؟
تقوم النظرية على ملاحظة ارتفاع غير معتاد في طلبات البيتزا من المطاعم القريبة من البيت الأبيض والبنتاغون قبيل أحداث مهمة، ما يُفسَّر ببقاء فرق العمل لساعات طويلة داخل مقار صنع القرار لمتابعة تطورات عاجلة، وبالتالي تكثيف طلبات الطعام.
ومع تكرار المشهد، تحولت الملاحظة إلى ما يشبه «مؤشرًا غير رسمي» يربط بين نشاط المطاعم وحساسية اللحظة السياسية.
تعود جذور هذه الفكرة إلى عام 1983، إبان الغزو الأمريكي لغرينادا في البحر الكاريبي، حين لوحظ ارتفاع غير طبيعي في طلبات مطاعم البيتزا في واشنطن قبل بدء العملية.
وتكرر الأمر عام 1989 قبيل الهجوم على بنما لإلقاء القبض على حاكمها آنذاك مانويل نورييغا، إذ سجلت المطاعم المحيطة بمراكز القرار نشاطًا لافتًا.
أما المحطة الأبرز فكانت خلال الفترة التي سبقت حرب الخليج الأولى عام 1991، حين اتسع تداول الحديث عن هذا النمط بعد تزايد طلبات التوصيل في محيط دوائر صنع القرار، ما عزز الاعتقاد بأن «البيتزا» قد تكون مؤشرًا مبكرًا على اقتراب ساعة الصفر.
عاد الجدل حول «مؤشر البيتزا» بالتزامن مع تصاعد التهديدات الأمريكية بتوجيه ضربة عسكرية لإيران. فكلما ارتفعت حدة الخطاب السياسي والعسكري، تتجه الأنظار إلى حركة الطلبات في المطاعم القريبة من مقار القرار، وكأنها قراءة موازية لما يجري خلف الكواليس.
كما أُشير إلى رصد النمط ذاته في أوقات سابقة، سواء خلال التحركات المرتبطة بنيكولاس مادورو، أو قبيل اندلاع حرب الأيام الـ12 بين إسرائيل وإيران، حين شهدت المطاعم المحيطة بمراكز القرار نشاطًا ملحوظًا.
ورغم ذلك، يبقى «مؤشر البيتزا الأمريكي» نظرية غير رسمية لم تؤكدها أي جهة حكومية. ومع كل اقتراب لواشنطن من قرار كبير، يتجدد الجدل: هل نحن أمام مصادفة غذائية تتكرر تحت ضغط العمل داخل المؤسسات السيادية؟ أم أمام نمط متكرر يعكس قرارات تُتخذ في الغرف المغلقة قبل أن ترى النور؟