عندما يصبح البقاء هو الهدف الأعلى لدى الإخوان، تتهاوى المحرمات السياسية، حتى ولو مر الطريق عبر "العدو اللدود".
هذا بالضبط ما يحصل مع إخوان السودان خلف الكواليس في محاولة يائسة لضمان بقائهم في المشهد، عبر قنوات غير تقليدية تمتد إلى واشنطن وتل أبيب، بحسب ما طالعته "العين الإخبارية" في مجلة "أفق جديد" السودانية.
فبعيدا عن خطابات التعبئة والشعارات التي ظلت "الحركة الإسلامية" السودانية المصنفة إرهابية ترفعها لعقود ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، تكشف معلومات وتحركات حصلت عليها "أفق جديد" عن "محاولات محمومة يقودها الأمين العام للحركة علي أحمد كرتي لفتح قنوات اتصال مباشرة مع واشنطن وتل أبيب، عبر شركات ضغط وعلاقات عامة وشخصيات نافذة في دوائر القرار الغربي".
تحركات لم تؤكدها الإدارة الأمريكية أو إسرائيل، لكنها تأتي في ظل تآكل نفوذ الإخوان بفعل الحرب والعزلة الدولية، ما دفعهم إلى محاولة إعادة تسويق الحركة، حتى ولو اقتضى الأمر تقديم تنازلات تتعلق بالمحكمة الجنائية الدولية أو رموز النظام السابق أنفسهم.
وفي مارس/آذار الماضي، أعلنت الولايات المتحدة تصنيف جماعة الإخوان في السودان كيانا إرهابيا عالميا، وذلك بعد أن اتخذت الخطوة نفسها تجاه ٣ فروع للجماعة في مصر والأردن ولبنان.
تفاصيل الاتصالات السرية
وبالانتقال إلى تفاصيل أكثر حساسية، يكشف التقرير عن أن كرتي شرع خلال الأشهر الماضية في نسج خيوط مسار سياسي خاص، وأن تحركاته تجري خارج أي إطار رسمي للسلطات في بورتسودان المدعومة من "الحركة الإسلامية".
وتقول مصادر المجلة، إن الرجل الذي ظل لسنوات أحد أكثر الوجوه نفوذا داخل الحركة الإسلامية، قدم عبر تلك القنوات تصورا متكاملا للإدارة الأمريكية.
ويقوم التصور "على استعداد الإخوان لعدم عرقلة أي تسوية سياسية تنهي الحرب، بما في ذلك القبول بترتيبات مرتبطة بالمحكمة الجنائية الدولية وتسليم المطلوبين وأبرزهم الرئيس المعزول عمر البشير، مقابل فتح نافذة تواصل جديدة مع المجتمع الدولي، وإعادة النظر في العزلة المفروضة على قيادات الإخوان منذ سنوات".
غير أن اللافت، وفقا للمعلومات ذاتها، أن كرتي لم يكتف بمحاولة الوصول المباشر إلى الأمريكيين، بل سعى -عبر شركات الضغط- إلى ترتيب لقاءات مع شخصيات إسرائيلية نافذة، على أمل أن تتولى تلك الدوائر تسويق المبادرة داخل أروقة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مستفيدا من التأثير الإسرائيلي التقليدي في ملفات المنطقة داخل واشنطن".
رجل أعمال إسرائيلي
وفي سياق متصل، يبرز اسم رجل الأعمال والضابط السابق في الاستخبارات الإسرائيلية آري بن ميناشي، مدير شركة "ديكنز آند مادسون" الكندية، الذي أشار في إفاداته إلى أن اتصالات سابقة جرت بالفعل بين كرتي ودوائر غربية، وأنه شارك في ترتيب لقاءات بين شخصيات سودانية ومسؤولين أمريكيين، مؤكدا أنه لا يستبعد عودة مثل هذه القنوات إلى العمل مجددا.
كما يعود إلى الواجهة أيضا الحديث عن لقاءات سابقة يُقال إنها جمعت كرتي بشخصيات غربية، من بينها لقاء في أديس أبابا مع وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جون كيري، في إطار نقاشات تناولت مستقبل السلطة في السودان، في مرحلة ما قبل التحولات الكبرى التي قادت لاحقا إلى سقوط نظام عمر البشير.
ومع توسع هذه الروايات، تكشف إفادات أخرى عن محاولات موازية لفتح قنوات تواصل مع شخصيات مؤثرة في مراكز القرار الأمريكي.
غير أن هذا لم يحظ باهتمام كبير داخل الإدارة الأمريكية أو دوائر الكونغرس، حيث قوبلت بقدر كبير من التحفظ، في ظل استمرار الشكوك حول سجل الحركة الإسلامية في السودان ومواقفها خلال العقود الماضية، بحسب ما نقلته المجلة عن مصادرها المطلعة.