حولت رئيسة الوزراء الإيطالية، جورجيا ميلوني، الإيماءات إلى حسابات استراتيجية، والاستقبال الدافئ إلى إشارات محسوبة.
إذ كان مشهد الاستقبال الدافئ لميلوني في باريس يقول ما لم تقله البيانات الرسمية: رئيسة الوزراء الإيطالية تعيد تموضعها، وتفعل ذلك بسرعة لافتة، لمواكبة المزاج الشعبي وسط أزمات.
التحول، بحسب صحيفة «التايمز»، ليس مجرد دفء دبلوماسي عابر، بل هو انعكاس لإعادة حسابات استراتيجية فرضتها الحرب الإيرانية، وكشفت عن هشاشة الدور الذي شغلته ميلوني لسنوات، عندما لعبت دور الوسيطة المفضّلة بين أوروبا وإدارة دونالد ترامب.
إذ إن ذلك الدور بدأ يتآكل بوتيرة لم تتوقعها روما، على حد قول الصحيفة.
وانطلقت شرارة الخلاف حين انتقد ترامب البابا ليو الرابع عشر، إثر دعواته للسلام في الشرق الأوسط، حيث دافعت ميلوني عن البابا، ووصفت الانتقادات بأنها «غير مقبولة».
وكان الرد الأمريكي فوريًا، وطوى ترامب صفحة الإطراء الذي أغدقه على ميلوني لسنوات، حين وصفها بـ«القائدة العظيمة».
وبعد انتقاد ترامب ميلوني لرفضها استخدام الطائرات الأمريكية لقاعدة جوية إيطالية، و«تقاعسها» عن توفير سفن لمساعدته في الحرب، اتخذت الزعيمة الإيطالية موقفًا أوروبيًا خالصًا في باريس، واعدةً بكاسحات ألغام لعملية بحرية محتملة تُنظّم بالتعاون مع إيمانويل ماكرون، وكير ستارمر، والمستشار الألماني فريدريش ميرتس.
ولم يكن ذلك مجرد رد فعل انفعالي، بل قرارًا بالانضمام إلى الإطار الأوروبي في لحظة تتشكل فيها الخريطة الأمنية للقارة من جديد.
الداخل يقرأ المشهد بطريقة مختلفة
ما بدا في الظاهر تراجعًا دبلوماسيًا قد يكون في حقيقته مكسبًا سياسيًا؛ إذ كشف استطلاع أجراه خبير الرأي أنطونيو نوتو في ذلك الوقت أن 81% من الإيطاليين أيّدوا موقف ميلوني في مواجهة ترامب، دون فوارق تُذكر بين ناخبي اليمين وناخبي اليسار.
ووفق المصدر ذاته، فإن تلك نسبة استثنائية في مجتمع تتزايد فيه الانقسامات الحزبية بكل ملف.
وكانت ميلوني تعاني من ضغوط متراكمة تمثلت في هزيمتها باستفتاء إصلاحي الشهر الماضي، واقتصاد يترنح تحت ثقل فاتورة الطاقة المرتفعة. لذلك مثّلت انتقادات ترامب هدية سياسية لم تطلبها، لكنها أحسنت توظيفها، على حد قول «التايمز».
وقال نوتو: «استجابت ميلوني لقراءتها الداخلية، واستغلت خلاف البيت الأبيض مع البابا للنأي بنفسها عن ترامب في لحظة مناسبة»، واصفًا ذلك بأنه «خطوة محسوبة، لا موقف مبدئي مفاجئ».
كما يذهب نوتو إلى أن التحول في نظرة الشعب الإيطالي لميلوني لم يكن ارتجاليًا، إذ تزامن مع رفضها تجديد معاهدة دفاعية مع إسرائيل، عقب إطلاق الجيش الإسرائيلي النار على قوات حفظ سلام إيطالية في لبنان.