العراق بين لهيب الصيف وأزمة الكهرباء.. الضغوط تتصاعد والحلول تتأخر
تتفاقم أزمة الكهرباء في العراق مع الارتفاع القياسي في درجات الحرارة التي تجاوزت في بعض المحافظات 50 درجة مئوية.
يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظومة الكهربائية انخفاضاً حاداً في ساعات التجهيز نتيجة تراجع إمدادات الغاز، وارتفاع الطلب على الطاقة، واستمرار المشكلات البنيوية التي يعاني منها القطاع منذ سنوات، الأمر الذي دفع آلاف المواطنين إلى الاحتجاج في عدد من المحافظات، بينما تحرك مجلس النواب لاستضافة وزير الكهرباء ومساءلة الحكومة بشأن أسباب الأزمة وخطط معالجتها.
ويبلغ الإنتاج الحالي من الكهرباء نحو 29 ألف ميغاواط، في حين يصل الطلب إلى 60 ألف ميغاواط، ما يترك عجزاً صيفياً يتجاوز 30 ألف ميغاواط.

ورغم امتلاك العراق احتياطيات تقدر بنحو 131 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي، فإنه لا يزال يعتمد على إيران لتأمين نحو 40% من احتياجاته من الغاز والطاقة الكهربائية. كما أن 98% من إنتاج الكهرباء في البلاد يعتمد على الوقود الأحفوري.
الوزارة تعتذر: ظروف استثنائية تضرب المنظومة الكهربائية
واعترفت وزارة الكهرباء، في بيان رسمي، بتراجع ساعات تجهيز الطاقة، وقدمت اعتذارها للمواطنين، مؤكدة أن المنظومة الوطنية تواجه "ظروفاً استثنائية" فرضتها مجموعة من التحديات المتزامنة.
وأوضحت الوزارة أن أبرز هذه التحديات تتمثل في انخفاض إمدادات الغاز الطبيعي نتيجة الصراع الإقليمي، والارتفاع الكبير في الطلب خلال أشهر الصيف، فضلاً عن التجاوزات على الشبكة الكهربائية، وتقادم البنية التحتية، ونقص التخصيصات المالية اللازمة لتأهيلها.
وأكد المتحدث باسم الوزارة أحمد تركي جياد أن الفرق الفنية تعمل على مدار الساعة لرفع جاهزية الوحدات الإنتاجية وتسريع مشاريع النقل والتوزيع، داعياً المواطنين إلى ترشيد الاستهلاك والإبلاغ عن التجاوزات على الشبكة.

- مطار الموصل الدولي.. رهان العراق لإحياء اقتصاد نينوى وربطها بالعالم
- من الري إلى التسويق.. كيف يستثمر العراق في أمنه الغذائي؟
أزمة غاز تضاعف معاناة الكهرباء
وتعتمد محطات الكهرباء العراقية بشكل كبير على الغاز المستورد من إيران، والذي يوفر ما بين ثلث و40% من احتياجات محطات التوليد.
لكن التوترات الإقليمية وما رافقها من تراجع إمدادات الغاز الإيراني أدت إلى خروج عدد من المحطات عن العمل أو تشغيلها بوقود بديل أقل كفاءة، وهو ما انعكس مباشرة على ساعات تجهيز الكهرباء.
ووفق وزارة الكهرباء، تجاوز الطلب على الطاقة هذا الصيف 60 ألف ميغاواط، في حين لا يتجاوز الإنتاج الفعلي نحو 20 ألف ميغاواط، ما يعني فجوة تقارب 40 ألف ميغاواط بين العرض والطلب.
احتجاجات في معظم المحافظات
وانعكس تراجع تجهيز الكهرباء سريعاً على الشارع العراقي، حيث شهدت محافظات المثنى، والنجف، وكربلاء، والديوانية، وواسط، وبغداد، وبابل، وذي قار، وكركوك، تظاهرات احتجاجية وقطعاً للطرق للمطالبة بتحسين ساعات التجهيز.
وفي النجف، أغلق مئات المحتجين طريق النجف-الكوفة، مطالبين بزيادة حصة المحافظة من الكهرباء، بينما شهدت السماوة احتجاجات انتهت بمنح الحكومة المحلية مهلة قبل استئناف التصعيد.
وفي واسط، تطورت الاحتجاجات إلى مواجهات أسفرت عن إصابة أكثر من 50 عنصراً من القوات الأمنية، فيما سجلت عمليات اعتقال لعدد من المتظاهرين.
كما أكد نواب عن محافظة النجف أن بعض المناطق باتت تعاني من ست ساعات انقطاع مقابل ساعة تجهيز واحدة.
وكانت محافظة كربلاء من بين أسواء المحافظات العراقية في تجهيزها بالطاقة الكهرباء حيث عانت بعض أحيائها ومناطقها من انعدام تام للكهرباء على مدى الأيام الثلاثة الماضية، ما اضطر المواطنين إلى اللجوء لأصحاب المولدات الذين رفعوا أسعار الأمبير الواحد إلى 10 آلاف دينار بعدما كان 6 آلاف.
البرلمان يدخل على خط الأزمة
ومع تصاعد الغضب الشعبي، وجّه رئيس مجلس النواب هيبت الحلبوسي باستضافة وزير الكهرباء علي سعدي وهيب لمناقشة أسباب تراجع المنظومة الكهربائية.
من جانبه، أعلن الوزير أنه طلب بنفسه المثول أمام البرلمان لتقديم عرض شامل عن واقع الشبكة الكهربائية والتحديات التي تواجهها الوزارة، مؤكداً التزامه بمبدأ الشفافية والإجابة عن استفسارات النواب.
كما طالب عدد من أعضاء مجلس النواب باستضافة وزير النفط، داعين إلى تسريع استثمار الغاز المصاحب لتقليل الاعتماد على الاستيراد.
ووجه عضو مجلس النواب، صكر المحمداوي، في حديثه لـ "العين الإخبارية"، انتقادات حادة لسياسات إدارة قطاع الطاقة، مؤكداً أن العراق أحرق منذ عام 2012 غازاً مصاحباً تقدر قيمته بنحو 76 مليار دولار، بينما أنفق في الوقت نفسه مليارات الدولارات على استيراد الغاز من الخارج.
ويرى المحمداوي أن استثمار هذا الغاز كان كفيلاً بتوفير الوقود اللازم لمحطات الكهرباء، وتعزيز الاقتصاد الوطني، وخلق آلاف فرص العمل، بدلاً من استمرار هدره وما يسببه من أضرار بيئية واقتصادية.
وأوضح أن استمرار حرق الغاز لم يقتصر أثره على الهدر المالي، بل تسبب أيضاً في أضرار بيئية، في وقت أنفقت فيه الدولة مليارات الدولارات على استيراد الغاز لتشغيل محطات إنتاج الكهرباء.
واعتبر أن جذور الأزمة تعود إلى سوء إدارة الموارد الطبيعية، داعياً إلى تحرك جاد لإيقاف هدر الثروات الوطنية واستثمارها بما يخدم أمن الطاقة والمصلحة الوطنية.
خطوة مسؤولة للمكاشفة
من جانبه، عدّ رئيس لجنة الكهرباء والطاقة في مجلس النواب فلاح سعيد، طلب وزير الكهرباء علي سعدي وهيب المثول طوعاً أمام البرلمان لعرض واقع المنظومة الكهربائية، خطوة مسؤولة تهدف إلى المكاشفة ووضع الحقائق أمام الرأي العام في ظل أزمة الكهرباء التي تشهدها البلاد.
وقال رئيس اللجنة في حديثه لـ "العين الإخبارية"، إن الوزير سعدي، بادر إلى طلب الاستضافة أمام مجلس النواب من تلقاء نفسه، لعرض التحديات التي تواجه قطاع الكهرباء والإجراءات التي اتخذتها الوزارة لمعالجة الأزمة.
وأكد أن حضور الوزير أمام البرلمان لا يعني الرضا عن الواقع الحالي لقطاع الكهرباء، وإنما يمثل بداية لمرحلة من المتابعة البرلمانية والرقابة المستمرة، والضغط باتجاه تصويب واقع المنظومة الكهربائية وتحسين مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.
وأشار إلى أن مجلس النواب سيواصل ممارسة دوره الرقابي من خلال مناقشة أسباب الأزمة، ومتابعة تنفيذ الخطط الحكومية، والعمل على دفع الجهات المعنية إلى معالجة الاختلالات التي يعاني منها قطاع الكهرباء، بما يسهم في تحسين ساعات التجهيز والحد من معاناة المواطنين، ولا سيما خلال فصل الصيف.
استثمار الغاز.. الحل طويل الأمد
ويرى مسؤول وحدة تشغيل الكهرباء في المنطقة الوسطى، شاكر واثق في حديثه لـ"العين الإخبارية"، أن معالجة أزمة الغاز ليست مهمة سهلة، موضحاً أن زيادة إنتاج النفط لا تعني بالضرورة زيادة كميات الغاز القابلة للاستثمار.
وأشار إلى أن العقود الموقعة مع الشركات العالمية، ومنها الشركات الأمريكية، يجب أن تترافق مع إنشاء منشآت لمعالجة الغاز وخطوط لنقله، مؤكداً أن تحقيق الاكتفاء الذاتي من الكهرباء قد يستغرق عدة سنوات، وربما حتى عام 2030.
ويضيف أن استثمار الغاز المحلي لن يقتصر أثره على زيادة إنتاج الكهرباء، بل سيسهم أيضاً في تعزيز أمن الطاقة، وخفض فاتورة الاستيراد، وخلق فرص عمل، وتطوير الصناعات البتروكيمياوية، وتقليل الانبعاثات الكربونية.
بدوره، كشف الخبير الاقتصادي إحسان جاسم العوادي لـ"العين الإخبارية"، أن العراق يخسر سنوياً ما بين 3.5 و4 مليارات دولار بسبب حرق الغاز المصاحب، فضلاً عن مليارات أخرى تنفق على استيراد الغاز لتشغيل محطات الكهرباء.
وأوضح أن مشاريع شركة غاز البصرة، ومشروع الحلفاية، والناصرية، ونهر بن عمر، إضافة إلى مشروع "توتال إنرجيز"، قد تقلل تدريجياً الاعتماد على الغاز المستورد إذا نُفذت ضمن جداولها الزمنية.
الطاقة الشمسية.. فرصة لم تُستثمر بعد
وفي موازاة ذلك، دعا مختصون إلى التوسع في الطاقة المتجددة، مؤكدين أن العراق يمتلك واحداً من أعلى معدلات الإشعاع الشمسي في العالم.
وقال الخبير في الطاقة المتجددة أحمد خليل التميمي إن غياب استراتيجية وطنية واضحة حال دون استثمار الطاقة الشمسية، رغم قدرتها على تخفيف الضغط عن الشبكة الوطنية، ولا سيما خلال أشهر الذروة.
وأشار التميمي في حديثه لـ "العين الإخبارية" إلى أن العراق يمتلك الإمكانات اللازمة لإنشاء مصانع لإنتاج الألواح الشمسية والبطاريات، بما يسهم في توفير حلول مستدامة للمواطنين.
ولفت إلى أن "الحكومة تمضي في تنفيذ مشاريع الربط الكهربائي مع السعودية وتركيا والأردن ودول الخليج، بقدرات تصل إلى 1700 ميغاواط، فيما يتوقع أن تبلغ قدرة الربط مع السعودية وحدها بين 1000 و2000 ميغاواط".
كما كشف عن مقترح لإنشاء صندوق للطاقة يقوم على تخصيص عائدات بيع 500 ألف برميل نفط يومياً لتمويل مشاريع تطوير قطاع الكهرباء، وإضافة نحو 10 آلاف ميغاواط إلى القدرة الإنتاجية، مع توفير ضمانات مالية للعقود عبر حسابات مصرفية مخصصة لهذا الغرض.
هل الأزمة وليدة اليوم؟
ويرى الباحث السياسي إياد السماوي أن تحميل الحكومة الحالية وحدها مسؤولية أزمة الكهرباء لا يعكس الصورة الكاملة، معتبراً أن المشكلة هي حصيلة أكثر من عشرين عاماً من الفساد وسوء الإدارة وإهدار الموارد.
لكنه شدد في حديثه لـ "العين الإخبارية"، في الوقت ذاته على أن الحكومة أصبحت مسؤولة عن إدارة الأزمة الحالية، وأن معيار نجاحها سيكون بقدرتها على زيادة الإنتاج، واستثمار الغاز الوطني، وتأهيل شبكات النقل والتوزيع قبل حلول صيف العام المقبل.
الحكومة تجيب
وفي سياق متصل، قال عضو فريق الطاقة التابعة لمجلس الوزراء العراقي "جميل العامري" لـ "العين الإخبارية"، أن المدن العراقية تواجه تحدياً حضرياً متزايداً نتيجة النمو السكاني السريع والتوسع العمراني غير المنظم، بالتزامن مع تأثيرات التغير المناخي.
وأوضح أن ذلك يؤدي إلى ارتفاع الطلب على الكهرباء والمياه وشبكات الصرف الصحي، في وقت تعاني فيه البنى التحتية من التقادم وضعف التحديث.
وأكد عضو لجنة الطاقة في مكتب رئيس الوزراء أن أزمة الكهرباء المزمنة لم تتمكن الحكومات المتعاقبة من حلها رغم تعدد المشاريع والعقود والشركات العاملة في القطاع.
وأشار إلى أن الحكومة الحالية عازمة على جعل ملف الكهرباء أولوية، مؤكداً وجود توجه لإبرام عقود مع شركات كبرى وتنفيذ حلول سريعة لمعالجة الأزمة، بالتنسيق بين وزير الكهرباء ورئيس الوزراء، بهدف إنهاء واحدة من أكثر المشكلات إلحاحاً التي يواجهها العراقيون.
أزمة تتجاوز الكهرباء
ولا تقتصر تداعيات الأزمة على انقطاع التيار الكهربائي، بل تمتد إلى مختلف القطاعات الاقتصادية والخدمية، في ظل التحذيرات من أن استمرار النمو السكاني وارتفاع درجات الحرارة سيزيدان الضغط على البنية التحتية، ما لم تُنفذ إصلاحات هيكلية تشمل تحديث شبكات الكهرباء والمياه، والتوسع في استثمار الغاز والطاقة المتجددة، وتعزيز التخطيط الحضري المستدام.
وبينما تواصل الحكومة الإعلان عن مشاريع جديدة وخطط للربط الكهربائي واستثمار الغاز، يبقى الشارع العراقي ينتظر نتائج ملموسة تنعكس على ساعات التجهيز، بعد سنوات طويلة من الوعود التي لم تنهِ واحدة من أكثر الأزمات إلحاحاً في البلاد.