محمد صلاح هزم الحارس قبل تسديد الكرة.. هكذا يفسر العلم «بانينكا»
لم يكن الهدف الذي سجله النجم المصري محمد صلاح في كأس العالم مجرد ركلة جزاء ناجحة، بل نموذجا لتداخل علم النفس والفيزياء والأعصاب مع الكرة.
فالركلة التي نفذها على طريقة "بانينكا" لا تعتمد على قوة التسديد، وإنما على خداع عقل حارس المرمى ودفعه لاتخاذ قرار خاطئ قبل أن تغادر الكرة قدم اللاعب.

ولطالما اعتُبرت "بانينكا" واحدة من أكثر ركلات الجزاء جرأة في كرة القدم، لأنها تقوم على مبدأ بسيط ظاهريا لكنه معقد علميا، إذ يراهن اللاعب على أن الحارس سيقفز إلى أحد الجانبين قبل وصول الكرة، فيرسلها بهدوء إلى منتصف المرمى. لكن لماذا ينجح هذا الأسلوب؟ وهل يمكن للعلم تفسيره؟
الحارس يخسر المعركة قبل أن تبدأ
تشير دراسات علم النفس الرياضي إلى أن حراس المرمى يتعرضون لضغط نفسي هائل أثناء ركلات الجزاء، يجعلهم يشعرون بأن الوقوف في منتصف المرمى حتى اللحظة الأخيرة قد يُفسر على أنه "تقاعس"، لذلك يميل معظمهم إلى القفز مبكرا.
وفي دراسة نُشرت عام 2007، أوضح الباحث الهولندي جون فيكرز، أن الحارس لا يملك سوى أجزاء من الثانية لاتخاذ قرار القفز، ولذلك يعتمد على إشارات مبكرة من جسم اللاعب، مثل اتجاه القدم الداعمة، ودوران الحوض، ووضع الكتفين، بدلاً من انتظار انطلاق الكرة نفسها.
وتُظهر دراسات تحليل ركلات الجزاء أن نسبة كبيرة من الحراس تبدأ الحركة الجانبية قبل لحظة التسديد، وهو ما يجعل منتصف المرمى حاليا لجزء من الثانية، وهي الفجوة الزمنية التي تستغلها ركلة بانينكا.

لماذا تنجح "بانينكا"؟
من منظور علم الأعصاب، يعتمد منفذ بانينكا على استغلال آلية اتخاذ القرار السريع داخل دماغ الحارس.
ويشرح د. محمود عبدالعزيز، أستاذ علم النفس الرياضي لـ"العين الإخبارية"، أن الدماغ البشري في المواقف عالية الضغط يفضل اتخاذ قرار سريع بدلاً من انتظار معلومات إضافية، لأن التأخر قد يعني ضياع فرصة التصدي للكرة.
لذلك، بمجرد أن يقرأ الحارس أولى إشارات جسم اللاعب، يبدأ في القفز، بينما يكون منفذ بانينكا قد خطط مسبقا لاستغلال هذا القرار.
الفيزياء أيضا شريك في الهدف
لا تعتمد بانينكا على المهارة النفسية فقط، بل تستند أيضًا إلى قوانين الفيزياء، فالكرة تُسدد بسرعة أقل بكثير من ركلات الجزاء التقليدية، مع زاوية رفع صغيرة تجعلها تتخذ مسارا قوسيا قصيرا، ثم تهبط داخل منتصف المرمى.
وبما أن الحارس يكون قد غادر موقعه، فإن الكرة لا تحتاج إلى سرعة كبيرة، بل إلى دقة في الارتفاع والتوقيت حتى لا ترتفع فوق العارضة أو تصل بسهولة إلى يد الحارس إذا تأخر في القفز.
نظرية الألعاب تفسر القرار
يرى متخصصون في الرياضيات أن ركلات الجزاء تمثل تطبيقا عمليا لما يُعرف بـ"نظرية الألعاب"، إذ يحاول كل طرف توقع قرار الطرف الآخر.
وفي دراسة شهيرة للباحث الإسباني إغناسيو بالاسيوس-هويرتا ، نُشرت في "أميريكان إيكونومِك ريفيو"، تبين أن أفضل استراتيجية للاعب ليست تكرار أسلوب واحد، بل تنويع أماكن التسديد باستمرار حتى لا يستطيع الحارس بناء توقعات ثابتة.
وبهذا المعنى، فإن بانينكا لا تنجح لأنها ذكية فحسب، بل لأنها نادرة أيضا، فلو استخدمها اللاعب باستمرار، لفقدت عنصر المفاجأة.

ماذا حدث داخل دماغ محمد صلاح؟
وتوضح دراسات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي أن الرياضيين أصحاب الخبرة يتمتعون بقدرة أعلى على التحكم في مناطق الدماغ المسؤولة عن الخوف والانفعال أثناء الأداء تحت الضغط.
وهذا يفسر لماذا يستطيع لاعب بحجم محمد صلاح تنفيذ ركلة عالية المخاطرة في بطولة كبرى، بينما يتجنبها معظم اللاعبين.
فالتردد هو العدو الأول لركلة بانينكا، إذ إن أي تغيير في القرار خلال أجزاء الثانية الأخيرة يؤدي غالبا إلى تسديدة ضعيفة أو سهلة التصدي.
هل يمكن للذكاء الاصطناعي اكتشاف بانينكا؟
بدأت بعض الدراسات الحديثة في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل الفيديو لمحاولة التنبؤ باتجاه ركلات الجزاء اعتمادا على حركة جسم اللاعب قبل التسديد.
ورغم أن هذه الأنظمة حققت دقة جيدة في بعض التجارب، فإن الباحثين يؤكدون أن اللاعبين المحترفين القادرين على إخفاء نواياهم ، مثل محمد صلاح، يظلون الأصعب في التنبؤ، لأنهم يقللون الإشارات الحركية التي يعتمد عليها الحارس أو أنظمة الذكاء الاصطناعي.
بين الجرأة والعلم
ووفقا لما سبق، تكشف الدراسات أن نجاح بانينكا لا يعتمد على الشجاعة وحدها، بل على فهم عميق لسلوك الخصم، والتوقيت المثالي، والقدرة على التحكم في الأعصاب تحت الضغط.
ولهذا، يمكن القول إن محمد صلاح لم يهزم الحارس عندما ارتطمت الكرة بالشباك، بل هزمه قبل التسديد بلحظات، عندما دفع دماغه إلى اتخاذ القرار الذي كان ينتظره.