تهريب نفط إيران إلى باكستان برا وبحرا.. التفاف على الحصار والعقوبات
كشفت العديد من التقارير عن وجود شبكة واسعة ومعقدة لتهريب الوقود من إيران إلى باكستان، تمتد عبر الحدود البرية في إقليم بلوشستان، في محاولة يائسة من طهران للالتفاف على حصار هرمز والعقوبات الدولية للتخلص من نفطها الراكد.
لم تعد هذه التجارة غير القانونية مجرد نشاط محلي محدود، بل تحولت إلى اقتصاد ظل ضخم يعتمد عليه آلاف الأشخاص في المناطق الحدودية، حيث يتم نقل الوقود الإيراني عبر سيارات وشاحنات صغيرة في مسارات جبلية وصحراوية وعرة، وفقا لتقرير صحيفة "The Australian" الأسترالية.
ويؤكد التقرير أن الحدود الإيرانية الباكستانية تعد من أكثر المناطق نشاطا في التهريب في المنطقة، إذ تستخدم نقاط عبور غير رسمية لنقل البنزين والديزل وغاز الطهي، مستفيدين من ضعف السيطرة الأمنية واتساع المنطقة الجغرافية.
ويخلص التقرير إلى أن حرب أمريكا وإيران لم تُنهِ هذه الشبكات، لكنها أعادت تشكيلها فقط، لتتحول من تدفقات كبيرة شبه منتظمة إلى حركة أكثر خطورة وتكلفة وأقل حجما لكنها مستمرة، في واحدة من أكثر مناطق العالم هشاشة، عبر الحدود الممتدة لنحو 900 كيلومتر.
عمليات التهريب لا تقتصر على النقل البري فقط، بل ترتبط أيضا بـشبكات لوجستية تمتد إلى البحر، حيث يتم نقل بعض الشحنات عبر مسارات غير رسمية أو إعادة توزيعها بعد إدخالها إلى داخل باكستان، هذه الشبكات باتت مرتبطة باقتصاد غير رسمي واسع في بلوشستان.

وفقا لرويترز، قالت شركة "مارين ترافيك"، المزودة لبيانات شركة "كبلر"، في منشور على موقع "إكس" إن ناقلة "كراتشي" كانت "أول شحنة غير إيرانية تعبر المضيق وهي تبث إشارة نظام التعرف الآلي (AIS).

وبحسب تقرير نشرته South China Morning Post، فإن تدفقات الوقود عبر الحدود تراجعت بنحو 50% تقريبا منذ اندلاع الحرب، بعدما كانت تشهد مستويات مرتفعة من النشاط اليومي.
حجم النفط المهرب
وتشير تقديرات أمنية واقتصادية سابقة إلى أن حجم التهريب كان يصل في ذروته إلى نحو 20 مليون لتر يوميا، قبل أن يتراجع خلال الحرب إلى قرابة 6 ملايين لتر يوميا نتيجة القيود على النقل واضطراب سلاسل الإمداد. كما تكشف بيانات أخرى أن هذه التجارة غير الرسمية كانت تمثل ما يصل إلى 14% من استهلاك الوقود في باكستان، بقيمة تقارب 1 مليار دولار سنويا.
قبل الحرب، كان ما بين 100 و150 صهريجا لنقل غاز البترول المسال، يزن كل منها 22 طنا، يعبر إلى باكستان عبر معبر تفتان الحدودي، أما الآن فقد انخفض العدد إلى ما بين 15 و25 صهريجا فقط
ورغم تراجع الكميات، لا تزال المنطقة تشهد نشاطا واسعا لشبكات التهريب، حيث تنقل شاحنات صغيرة وحافلات محلية الوقود عبر طرق جبلية وصحراوية وعرة، فيما تعتمد عمليات التوزيع على إعادة تعبئة في نقاط غير رسمية داخل إقليم بلوشستان. وتشير تقارير ميدانية إلى أن بعض المهربين ينقلون كميات فردية تصل إلى 70 لترا يوميا لتحقيق دخل معيشي، في حين تتحرك شبكات أكبر ضمن سلاسل منظمة تمتد لعدة كيلومترات داخل الحدود.

كما أفادت تقارير محلية أن أسعار الوقود المهرب في بلوشستان ارتفعت من نحو 150 روبية للتر قبل الحرب إلى 190 روبية بعد اندلاعها، نتيجة انخفاض الإمدادات وارتفاع المخاطر.
وفقا لصحيفة وول ستريت جورنال، تسعى إيران جاهدة لإيجاد طرق جديدة لتخزين نفطها، أملا في تجنب توقف الإنتاج بشكل كارثي، في ظل الحصار البحري الأمريكي الذي يعيق صادراتها، ووصول المفاوضات لإنهاء الحرب إلى طريق مسدود.
إحياء مواقع مهجورة
ومع تراكم النفط في الداخل، تعيد إيران إحياء مواقع مهجورة تُعرف باسم "مخازن الخردة"، مستخدمةً حاويات لتخزين نفطها على أمل تهريبه عبر الحدود البرية مع باكستان.
وفقا لصحيفة "Dawn" الباكستانية، تسمح الحكومة بنقل محدود ومُراقب للوقود الإيراني عبر نقاط محددة: عبدوي في كيتش، وجلاكي في بانجغور (عبر الطرق البرية)، وكونتاني في جوادر (عبر الطريق البحري).
وتعبر يوميا مئات الشاحنات الصغيرة ومركبات أخرى عبر نقاط غير رسمية منذ بدء الحصار البحري، في المقابل، لم تتخذ السلطات الباكستانية إجراءات صارمة تُذكر لوقف هذه العمليات، وفقا لإذاعة "مونت كارلو".
وفقا لموقع "Oil Price"، افتتحت إسلام آباد 6 ممرات برية إلى إيران لتخليص البضائع العالقة وتجاوز حصار مضيق هرمز، مُفعّلةً بذلك اتفاقية عبور مُبرمة عام 2008.

6 ممرات
وتربط هذه الممرات المحددة الموانئ الباكستانية الرئيسية بالمعبرين الحدوديين الإيرانيين في جوادر وتفتان عبر بلوشستان. وقد تم تفعيل ممر جوادر-جابد، الذي يمتد على مسافة 89 كيلومترا فقط، كطريق بري رئيسي يربط باكستان بإيران، مما يقلل وقت السفر إلى الحدود إلى ساعتين أو ثلاث ساعات فقط، مقارنةً بـ16 إلى 18 ساعة من كراتشي.
وسيكون هذا الممر بمثابة أقصر وأسرع وأكثر الطرق البرية كفاءة لنقل البضائع التي تربط ميناء جوادر بالحدود الإيرانية في غابد.
الطريق الثاني هو طريق ساحلي يمتد من كراتشي/ميناء قاسم مروراً بلياري وأورمارا وباسني وصولاً إلى معبر غابد-رمدان. يُعد هذا الطريق ممراً برياً رئيسياً لنقل البضائع، ويستفيد من الطريق السريع الوطني N10 على طول ساحل بلوشستان. تستغرق الرحلة عبر هذا الطريق عادةً ما بين 16 و18 ساعة لنقل النفط والبضائع.
أما الطريق الثالث فهو يمتد من كراتشي/ميناء قاسم إلى معبر تفتان الحدودي مع إيران، ويبلغ طوله حوالي 900 كيلومتر. يعبر هذا الممر بلوشستان، ويسهل التجارة عبر طرق مثل كراتشي-خوزدار-دالباندين-تفتان.
الطريق الرابع هو الطريق من جوادر إلى تفتان مروراً بتربات وبنججور وكويتا. يُعد هذا ممراً برياً رئيسياً يزيد طوله عن 1000 كيلومتر، وقد صُمم لتسهيل التجارة مع إيران، حيث يمر عبر وسط بلوشستان قبل أن يتجه شمالاً نحو الحدود.
ويُمثل هذا الطريق بديلا بريا استراتيجيا للطرق البحرية. يربط الطريق رقم 5 ميناء جوادر بتفتان مروراً بلياري، وخوزدار، وكويتا/لكباس، ودالباندين، ونوكندي، بينما يربط الطريق رقم 6 كراتشي/ميناء قاسم بجابد مروراً بجوادر.

في ظل سعى إيران للتحايل على العقوبات وإيجاد منافذ لتهريب نفطها الراكد، تحوّلت الحرب بين الولايات المتحدة وإيران إلى سباق محموم لمعرفة ما إذا كان قطاع النفط الإيراني سينهار. فكل برميل نفط لا يستطيع الخروج من البلاد عبر قنوات التصدير الرسمية لا بد أن يجد له مكانا: في خزان، أو على متن سفينة، أو في موقع تخزين مؤقت، أو يبقى مدفونا تحت الأرض. وتحاول إيران يائسة في تجنب خطر الاضطرار إلى قطع إمدادات النفط وتفاقم خسائرها في الإيرادات.
أزمة في المصافي الإيرانية
أفادت شركة "كيبلر" لتحليلات السلع الأساسية بأن الحصار قد قلّص بشكل حاد كمية النفط التي تمكنت إيران، من تحميلها على ناقلات النفط. وبلغ متوسط تحميل النفط الخام والمكثفات الإيرانية 2.1 مليون برميل يوميًا بين 1 و13 أبريل/نيسان. ومنذ بدء الحصار، لم تُسجَّل سوى خمس شحنات، مما أدى إلى انخفاض المتوسط إلى 567 ألف برميل يوميًا بين 14 و23 أبريل/نيسان.
في فبراير/شباط، قبل الحرب، كانت إيران تصدر في المتوسط مليوني برميل يوميًا.
ومع محدودية قدرتها على تحميل النفط الخام على السفن، بدأت شركة النفط الوطنية الإيرانية بالفعل في خفض الإنتاج، وفقًا لشركة كيبلر. غالبًا ما تبدأ تخفيضات الإنتاج قبل امتلاء المخازن تقنيا، لأن المشغلين يحتاجون إلى الحفاظ على مساحة في النظام وتجنب الاختناقات الخطيرة.
وتقدر كيبلر أن إنتاج النفط الخام الإيراني انخفضت عن مستوياته الحالية بأكثر من النصف، ووصل إلى ما بين 1.2 و1.3 مليون برميل يوميا، بحلول مايو/أيار مع استمرار الحصار.
ويختلف المحللون حول المدة التي ستستغرقها إيران للوصول إلى "سعة الخزانات" - وهو مصطلح شائع في صناعة النفط يعني نفاد مساحة تخزين النفط الخام الذي تنتجه - لكن الكثيرين يعتقدون أن ذلك قد يحدث في أقل من أسبوعين.
مخزونات إيران
وبحسب شركة "كيبلر"، فقد ارتفعت مخزونات النفط البرية الإيرانية بمقدار 4.6 مليون برميل لتصل إلى نحو 49 مليون برميل في ظل الحصار، ما يُقدّر الطاقة الإنتاجية للبلاد بنحو 86 مليون برميل، أو ما بين 90 و95 مليون برميل عند إضافة خزانات عدد من مصافي التكرير الشمالية. إلا أن القيود التشغيلية وحدود السلامة والظروف الجغرافية تعني أن جزءًا كبيرًا من هذه المساحة قد لا يكون قابلاً للاستخدام.
تستخدم إيران ناقلات نفط فارغة لتخزين فائض النفط في عرض البحر. وقال كيبلر إن هناك عدة ناقلات كبيرة، ولها تاريخ في نقل النفط الخام الإيراني، بسعة تبلغ حوالي 15 مليون برميل.
ولكن مع عجز هذه السفن عن الوصول إلى الأسواق، تلجأ إيران إلى حلول أخرى لكسب الوقت والالتفاف على الحصار والعقوبات الدولية. وقد بدأت طهران باستخدام حاويات وخزانات مهجورة في مراكز النفط الجنوبية مثل الأهواز وعسلوية، رغم حالتها المتردية.
قد يؤدي إيقاف الإنتاج فجأة إلى إلحاق الضرر بحقول النفط القديمة، لا سيما تلك ذات الضغط المنخفض أو التكوينات الجيولوجية الهشة. وتشير شركة "ريستاد إنرجي" الاستشارية إلى أن حوالي نصف حقول النفط الإيرانية تعاني من انخفاض الضغط، مما يجعلها عرضة لخسائر إنتاجية طويلة الأجل بعد عمليات الإيقاف.