يمضي الجيش الأمريكي في واحدة من أكثر محاولاته طموحاً لتحديث قدراته القتالية، عبر تفكيك الحواجز التقنية.
ومثل انفصال الأسلحة وأجهزة الاستشعار ومنصات القيادة عن بعضها البعض سببا في تراجع الكفاءة العملياتية في ظروف تملي اتخاذ قرارات فورية.
وبحسب موقع "بيزنس إنسايدر"، لم يعد الهدف مجرد تطوير أنظمة أكثر تقدماً، بل بناء بيئة عملياتية تتحدث فيها مختلف الأدوات العسكرية بلغة مشتركة تسمح باتخاذ القرار بسرعة أكبر، وتقليل الزمن الفاصل بين رصد التهديد والتعامل معه.
هذا التوجه تجلّى في تجربة واسعة النطاق حملت اسم مشروع "جيلبريك"، جمعت كبار مزودي الصناعات الدفاعية مع الجيش لاختبار إمكانية دمج أنظمة مختلفة ضمن شبكة واحدة قادرة على تبادل المعلومات بشكل مباشر.
وشملت التجربة منظومات الدفاع الجوي والصاروخي، وأنظمة مكافحة الطائرات المسيّرة، ومنصات القيادة والسيطرة، إلى جانب حزمة من القدرات القتالية الأخرى التي طالما عملت وفق معايير اتصال متباينة.
وقد بدأت بعض نتائج هذا الجهد بالوصول بالفعل إلى الوحدات الميدانية، بما في ذلك القوات المنتشرة في منطقة الشرق الأوسط.
ويعكس هذا التحول إدراكاً متزايداً داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية بأن سرعة العمليات الحديثة لم تعد تسمح للجندي بأن يكون وسيطاً بين أنظمة لا تتحدث مع بعضها.
وضرب كبير مسؤولي التكنولوجيا في الجيش، أليكس ميلر، مثالاً من الحياة اليومية لتوضيح حجم المشكلة، مشبهاً الوضع بامتلاك أجهزة منزلية لا تعمل إلا عبر محولات خاصة مختلفة لكل جهاز. الصورة نفسها كانت تتكرر في الميدان في شكل بيانات موزعة، وإدخال يدوي للمعلومات، وتنقل مستمر بين منصات متعددة قبل الوصول إلى قرار واحد.
هذا النموذج التقليدي بات يُنظر إليه باعتباره عائقاً مباشراً أمام القدرة على الاستجابة السريعة، خصوصاً في بيئات قتالية تتغير خلال ثوانٍ. لذلك تبنّى الجيش مقاربة أقرب إلى أساليب تطوير البرمجيات التجارية، تقوم على المرونة والانفتاح والتحديث المستمر بدلاً من دورات التطوير الطويلة والمعايير المغلقة.
وجاءت التجربة الأوكرانية لتمنح هذا التوجه زخماً إضافياً. فقد أوضح وزير الجيش دان دريسكول أن نقطة التحول جاءت خلال زيارة إلى ألمانيا، حين شاهد كيف تمكنت أوكرانيا من دمج الطائرات المسيّرة وأجهزة الاستشعار والأسلحة داخل منصة إدارة المعارك «دلتا» بما يتيح سرعة غير مسبوقة في تنسيق العمليات.
هذه التجربة دفعت القيادة الأمريكية إلى إعادة النظر في طريقة بناء الأنظمة العسكرية، وإعادة توجيه الجهود نحو التكامل التشغيلي بدلاً من تطوير قدرات منفصلة.
وشاركت في مشروع "جيلبريك" مجموعة واسعة من الشركات الدفاعية الكبرى، من بينها لوكهيد مارتن وبوينغ وجنرال دايناميكس ونورثروب غرومان وبالانتير وغيرها، حيث عمل مهندسوها جنباً إلى جنب مع العسكريين على تفكيك أنماط الاتصال التقليدية وإعادة تصميمها بطريقة تسمح بتبادل البيانات دون قيود البنية القديمة.
وتكمن أهمية الخطوة في أنها تمثل محاولة على مستوى المنظومة بأكملها، لا مجرد مبادرات متفرقة بين مورد وآخر.
ويؤكد قادة الجيش أن المشكلة لم تكن في نقص القدرات بقدر ما كانت في طبيعة تصميمها. فقد أدى تصنيف الأنظمة والعمل وفق معايير اتصال عمرها عقود إلى بطء في التطوير وصعوبة في إدخال تقنيات جديدة، وهو ما لم يعد متوافقاً مع طبيعة الحروب الحديثة التي تعتمد على سرعة تدفق المعلومات ودقتها.
وفي هذا السياق يبرز برنامج القيادة والسيطرة من الجيل التالي بوصفه حجر الأساس لهذا التحول. فالبرنامج يقوم على بنية مفتوحة تتيح دمج أدوات من موردين متعددين، وتمنح الوحدات العسكرية قدرة أكبر على تحديث قدراتها بسرعة وإضافة وظائف تعتمد على الأتمتة والذكاء الاصطناعي.
وقد ساهم بالفعل في تسريع حركة البيانات وتطوير أدوات تساعد في تقدير الاحتياجات اللوجستية والذخائر.
ويبدو أن الرهان الأمريكي الجديد لا ينحصر في امتلاك أسلحة أكثر تطوراً، بل في بناء جيش أكثر قدرة على ربط هذه الأسلحة داخل شبكة واحدة تتعلم وتتكيف بسرعة.
فالمعركة المقبلة، وفق هذا التصور، لن تُحسم فقط بقوة النيران، بل بقدرة الأنظمة على التواصل، وتخفيف العبء المعرفي عن الجنود، وتحويل البيانات المتدفقة إلى قرارات أسرع وأكثر دقة.