ثقافة

400 سنة على وفاة ثربانتس.. عميد الرواية الحديثة

الإثنين 2016.4.18 09:01 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 663قراءة
  • 0 تعليق
صارت «دون كيشوت دي لا مانشا» علامة فارقة بين شكل سردي جديد ومغاير وأسلافه في تاريخ الفنون والأنواع الأدبية.

صارت «دون كيشوت دي لا مانشا» علامة فارقة بين شكل سردي جديد ومغاير وأسلافه في تاريخ الفنون والأنواع الأدبية.

يشهد شهر أبريل من العام الجاري مناسبتين لا يجمعهما التاريخ إلا كل عدة قرون مجتمعة، فقد جمع يوم الثالث والعشرين منه وفاة رائد ومؤسس فن الرواية الحديثة الإسباني "ثربانتس" وعملاق الدراما المسرحية البريطاني الأشهر وليام شكسبير، من العام 1616.

400 سنة على وفاة الكاتب والمغامر ميجيل دي ثربانتس (توفي في الثالث والعشرين من أبريل العام 1616) الذي كتب أول عمل روائي فذ أسس لفن الرواية الحديثة، «دون كيشوت دي لا مانشا»، التي صارت العلامة الفارقة بين شكل سردي مغاير وأسلافه في تاريخ الفنون والأنواع الأدبية.

وليست هذه المناسبة مما يمر مرور الكرام في بلد ثربانتس نفسه والبلاد الناطقة بالإسبانية، خصوصا أن روايته وعمله الأشهر «دون كيشوت» الذي أصدره في جزأين في مطلع القرن السابع عشر، وقبل وفاته بحوالي إحدى عشرة سنة، عدها نقاد الرواية ومؤرخو الأنواع الأدبية "إنجيل الرواية الحديثة"، ترجمت إلى كل لغات العالم وقرأها منذ صدورها ملايين في طبعات ولغات لا تحصى.

ولا ينسى عشاق «دون كيشوت» ما قاله عنها الروائي الكولومبي الشهير غابرييل غارثيا ماركيز: "علينا أن نقرأ، ونعيد يومياً قراءة دون كيشوت"، ما يعني أن الكتاب الأشهر في الدنيا، لا يزال بعد أربعة قرون على صدوره، حاجة فكرية وأخلاقية لكل طلاب الآداب وعشاق الفن ودعاة الإنسانية نظراً لمضمونه الإنساني النبيل، الذي يتجاوز واقع العصر الذي كتب فيه، والذي يصلح بامتياز نموذجاً للتعسف في رفض الآخر المختلف، للتمييز العرقي والديني، ولقمع الحريات الشخصية والجماعية، والذي أراد ثربانتس أن يعرّي قساوته الرهيبة وتناقضاته الحادة، ليذكر بالكرامة الإنسانية، بمحبة الآخر، وبالحرية والعدالة.

وكذلك لا ينسى محبو هذه الرواية في العالم أجمع، ما قاله الرئيس الفنزويلي هوجو شافيز حين أعلن خلال الاحتفال بمرور 400 عام على صدورها أنه سيوزع مليون نسخة من رواية «دون كيشوت» مجانا على مواطنيه، قال "سنقرأ جميعا دون كيشوت لنتغذى أكثر من روح مكافحة أرادت إحقاق الحق وتصحيح العالم. إننا جميعا أتباع لدون كيشوت إلى حد ما"، ولعله كان يعي ذلك، إذ أراد أن يتمعن مواطنوه في مثال هذا البطل الذي حارب طواحين الهواء ملاحقا مثله العليا.

سيرة مؤلف مغامر

ربما لم يدر بخلد ميجيل دي ثربانتس الذي خاض المغامرات وجاب الآفاق وكاد يفقد حياته في مغامرة مجنونة، أن مغامرته الأبقى والأخلد هي التي خاضها في أرض الرواية البكر، مغامرة وضعت اسمه ضمن الخالدين في كتاب الإنسانية.. لا يذكر اسم "هوميروس" و"فيرجيل" و"أوفيد" و"دانتي" إلا ولا بد أن يضاف إليهم أو يلحق بهم اسم "ثربانتس" وصنوه في المسرح "شكسبير".

لم تكن حياة ثربانتس حياة هادئة وادعة شأنها شأن الملايين التي عاشت أو فنت على سطح هذا الكوكب، كان أبوه جراحا متوسط القيمة في مدينة ابن الوليد، أنجب من الأولاد أكثر مما ينبغي، تسعة أولاد بين ذكور وإناث، وولد هو عام 1547، نال جزءا من التعليم الديني، فقط لأنه كان تعليما مجانيا أو غير مكلف، ولكن روحه النزقة لم تخضع للتربية الدينية المتزمتة، وفشلت كل محاولاته للتعلم سواء في المدرسة أو في خارجها، ثم اضطر للفرار إلى إيطاليا عام 1568، ويبدو أنه كان هاربًا من حكم قضائي بعد دخوله في مبارزة غير مشروعة.

كان فراره هذا نقطة تحول حقيقية ليس في حياته فقط بل في حياة الإنسانية، إذ أخذ ينهل من مهد النهضة الأوروبية كل ما عن له وملأ وجدانه من آيات الفن والثقافة والأدب، لكنه سرعان ما غلبته روح المغامرة والتحدي والبحث عن الجنون، فعمل جنديا مرتزقا يخوض المعارك تحت إمرة دوقاتها.

خاض ثربانتس إحدى المعارك الضارية التي شنها أسطول فينيسيا، تعاونه بعض قطع الأسطول الإسباني ضد الأسطول العثماني، وكانت تركيا في ذلك الوقت هي أقوى قوة مناوئة للعالم المسيحي، وانتهت هذه المعركة بهزيمة الأتراك، ولم يكن لينسى هذه المعركة أبدا، ففيها تلفت أعصاب يده اليسرى، فبالرغم من أن ذراعه لم تقطع فإن اليد ظلت لبقية حياته عاطلة عن العمل، وقد سجل سرفانتس طويلا هذه المعركة بعد ذلك بسنوات، وضمنها في «دون كيشوت»، وألقت بظلالها أيضا على المواضع التي تعرض فيها للعالم الإسلامي والثقافة الإسلامية.

وبالرغم من ذلك الثمن الباهظ الذي دفعه في القتال فإن الحظ السيئ لم يغادره، ففي أثناء عودته إلى وطنه هاجمت السفينة التي تقله إحدى سفن الأسطول التركي وأخذته أسيرا، حيث سجن في الجزائر، وهكذا بقي في سجن القراصنة مدة طويلة، يشكو ويتوسل ويكتب الرسائل الطويلة إلى ملك إسبانيا فيليب الثاني، حتى يتدخل ويفك أسره هو ومن معه، ولكن كان للملك من متاعبه الداخلية ما يكفيه، فلم يلتفت لهذا الصوت القادم من خلف البحار، وتدخل أخ له غير شقيق كي يدفع عنه فدية من المال وينقذه من يد القراصنة.

عاد ثربانتس إلى إسبانيا أخيرا عام 1580، حاملا الكثير من الذكريات المؤلمة والحظ السيئ، رحل بين أكثر من مدينة، وتزوج زواجا تعيسا، وهل كان في إمكانه أن يفعل غير ذلك، واتخذ له عشيقة، وأنجب بنتا غير شرعية، فلم يزد هذا وضعه إلا سوءا، كتب الشعر فلم يأبه بقصائده أحد، دخل ميدان الكتابة المسرحية فلم ترفع الستار عن أي من فصوله، وظلت طاقة الخبرات المختزنة في داخله لا تجد لها متنفسا.

نشر ثربانتس الجزء الأول من «دون كيشوت»، عام 1605، ولم ينشر الجزء الثاني إلا قبل وفاته بقليل في عام 1616، يقول ثربانتس إنه قد كتب هذه القصة ليسخر من عصر الفرسان، ومن الروايات التقليدية، التي كان الناس يدمنون على قراءتها في عصره. انتقد ثربانتس عصره، وربما العصور التي سبقته، هاجم القوانين السائدة، وقساوسة محاكم التفتيش المتعصبين، والكتاب الذين يدعون الحكمة، بينما يسطون على كتب القدماء، والحكام المحليين الغارقين في الفساد، والأدعياء والمتملقين الذين جعلوا من أصحاب الموهبة الحقيقية، مثله، في حضيض السلم الاجتماعي.

باختصار كتب ثربانتس عن الفارس الذي كان يأمل أن يكونه ولكنه لم يستطع، ولأن الموهبة غلّابة كما يقولون، فقد تمرد «دون كيشوت» على كاتبه، واكتسب حياته الخاصة، لم يعد قناعا يختفي المؤلف خلفه، ولكنه كائن حقيقي يواجه الكون كما يجدر به، مشكلته أنه خرج للعالم الحقيقي بعد طول احتجاب، دون مرجعية يستعين بها، فاختلط أمامه الخير بالشر، والوهم بالحقيقة.

 

 

تعليقات