ثقافة

دمى "الماريونت" تتمايل على إيقاع "التراث" في الشارقة

الإثنين 2016.4.25 11:20 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 1521قراءة
  • 0 تعليق

ازدهر مسرح الدمى في البلدان العربية نهاية القرن الثالث عشر بعد سقوط الأندلس، في ذلك الوقت اعتبر وسيلة لتسلية الناس إلى جانب خيال الظل. أما هذا الأخير فقد عرفه العالم الإسلامي من الصين أو الهند كما يحكى عن طريق انتقاله من بلاد فارس، ليحيا أبهى عصوره في الحكم المملوكي . وقد عرف العرب خيال الظل للمرة الأولى في العصر العباسي، وشكل في تلك الحقب أهم وسائل ترفيه الناس؛ حيث كان يُعرض في المقاهي والأماكن العامة وغيرها مناقشًا مواضيع سياسية واجتماعية وتاريخية بطريقة فكاهية ساخرة، ومثل حال خيال الظل فإن مسرح الدمى عبر كذلك عن الأوضاع الاجتماعية والسياسية.

ورغم كل هذا الزمن، وما يشهده طفل اليوم من تقدم وعولمة ورقمنة، تظل سلواه الأولى دمية من أبسط الخامات. تلك الألعاب التي تختزل في موروثها تراث أمم حيت فباتت فلكلور بروح اللهوة والفرجة الشعبية. تجلى ذلك خلال "أيام الشارقة التراثية" وما قدمته في سوق العرائس والفرجة الشعبية التي تحضر للسنة الثانية على التوالي كأحد الأجنحة الرئيسية؛ حيث تستعرض فرق فنية من لبنان ومصر والمغرب وتونس وفلسطين عروضًا مدهشة تتنوع بين دمى الماريونت وخيال الظل والحكواتي، في قالب تراثي قريب من روح الطفل وعالمه.

التفاعل الحي بين زوار القرية وسوق العرائس لم يتجسد فقط في رقص الأطفال مع دمى الماريونت أو رغبتهم في تحريك دمى خيال الظل بأنفسهم، إنما تمثلت أيضًا في ورش العمل التي قدمها العرائسيون المتخصصون في تصنيع الدمى للجمهور.

في هذا الصدد، تحدث سلامة إمام، من مصر، عن مشاركته في السوق قائلًا: "لقد شاركت في عدد كبير من المعارض الإقليمية والدولية بحكم انتمائي وإدارتي لعدد من الفرق المسرحية، لكن ما أشهده في أيام الشارقة التراثية أمر مميز فعلًا؛ ففي"السوق العربية لفنون العرائس "تقدم كل دولة عروستها الخاصة ما يسمح لنا بالتعرف على تراث وثقافة الآخر، كذلك فالحدث لا يعتمد على فكرة تسويق العرائس فحسب بل أيضًا تقديم ورش في صنعها كالورش الخاصة بخيال الظل، كذلك يسعى القائمون على الحدث إلى تعليم الصغار آليات تحريك الدمى، وهو ما أجده فريدًا، فهذه الرؤية ستجل الطفل أكثر وعيًا وتعلقًا بهذا النموذج من العرائس لنعيد جزءًا أصيلًا من موروثنا للحياة مرة أخرى".

يشارك العرائسي سلامة إمام بمجموعة مميزة من دمى "الماريونت" المصرية ذات الهوية الفلكلورية التي تحيا في الذاكرة الشعبية، كمجموعة دمى شخصيات "الليلة الكبيرة"؛ حيث تحضر شخصية الفتوة الشهيرة، بالإضافة إلى المعلم والراقصة لتتمايل في عرض حي وسط الجمهور على إيقاع الأوبريت الغنائي الشهير الذي يحمل الاسم ذاته والذي حدثنا عنه إمام بقوله: "تشارك الدمية المصرية في سوق العرائس العربية بأوبريت "الليلة الكبيرة" وهو أشهر ما قدمه مسرح العرائس في مصر، كذلك تحضر هذه السنة العروسة الفرعونية "عروس النيل" التي تمثل أحد الطقوس المصرية القديمة في "شم النسيم" لتحكي للأطفال عن الفراعنة وتاريخهم، كذلك حضرت الشخصية الخليجية في إحدى الدمى المميزة بهدف الدمج بين نماذج شكلية وزمانية مختلفة تتماشى مع محيط الأيام الرابط للثقافات ماضيها وحاضرها".

ومن شعبية العرض المصري إلى روح المقاومة والصمود، ينتقل الزائر من الفرجة المصرية إلى فلسطين الأبية من خلال ما تقدمه فيروز نسطاس، صانعة دمى الماريونت والدمى العملاقة من عروض ترفيهية تفاعلية خارج النص، فكل مراد نسطاس أن تدخل البسمة على قلوب مشاهديها للتخفيف من ويلات الاحتلال في بلدها الأم، أما في سوق العرائس بالأيام فهي للتعرف بشخصياتها الشعبية المستوحاة من حياتها الخاصة والتي أخذت تحدثنا عنها: "لدي أسلوب مميز في صنع عرائسي، فهي مستوحاة من أشخاص حقيقيين من الحياة، أشخاص عرفتهم في طفولتي وكانوا مصدر الحنان بالنسبة لي، ولهذا تجد عرائسي طويلة الأيدي تحتضن كل من تقابله. وأعتمد في صناعة الدمى على طريقتين أساسيتين؛ ففي الدمى العملاقة أعمل على نحت الطين ومن ثم تغليفه بطبقات من الورق والأصماغ المختلفة وأنواع قماش متنوعة، ومن ثم أفرغ الطين حتى يبقى هيكل الدمية أخف ما يمكن وزنًا نظرًا لأن طول الدمية يتراوح ما بين 4 و5 أمتار. أما دمية الماريونت أفضل الطريقة التقليدية المعتمدة على نحت الخشب باستخدام السكين".

لقد فتحت سوق العرائس المجال للفنانة للتعرف على ثقافة الآخر من خلال التقرب إلى الدمى الأخرى العاكسة للهوية؛ حيث أخذت شخصيات الفنانة الفلسطينية ترقص مع العرائس المصرية والتونسية والمغربية في تفاعل إنساني ثقافي امتزج بروح الطفولة والبراءة فكان نموذجًا حيًا لالتقاء الحضارات والثقافات المختلفة.

لقد كان مسرح العرائس وخيال الظل محفزًا للثورة فيما مضى، واليوم نجده محرضًا عليها مقاومة لليأس وويلات الاحتلال، هذا ما أكدت عليه نسطاس قائلة: "بعرائسي العملاقة ودماي طويلة الأذرع جبت الشوارع الفلسطينية، ورغم كل ما نعانيه من مأساة، ما زلنا نحارب البارود بالبسمات ورسم الأمل وإدخال الفرحة على قلوبنا بكل الطرق حتى لو كانت من خلال دمية".

وتركز الفنانة، في عروضها، على الأطفال من أجل إخراجهم من الحالة النفسية السيئة التي تتملكهم؛ حيث تعتمد دماها العملاقة على التفاعلية في الشارع، لذلك تقوم نسطاس بالارتجال انطلاقًا من رد فعل الجمهور، وكذلك الأمر مع ماريونت الشارع، الفنان الفلسطيني عبد السلام عبده، محرك خيال الظل، كان عرضه الحي مثيرًا لمخيلة الصغار؛ حيث وقفوا فضوليين حول آلية تحريكه للدمى فخيال الظل كما يقول جزء صغير من البرنامج الذي يشارك فيه ضمن فعاليات الأيام التراثية، فالهدف الأكبر رمى إلى تأطير الأطفال وتعليميهم كيفية صناعة الدمى وتحريكها متحدثًا عن هذا بقوله: "خيال الظل بات أمرًا مهمًا في كل العالم، واشتهرت به تركيا وأيضًا سوريا لحد ما، واليوم بات يعود إلى الحياة. واستخدم خيال الظل سابقًا كنوع من النقد، وفي مرحلة من المراحل في فلسطين كان محرضًا على الثورة والمقاومة، لذلك نعمل في فلسطين منذ خمس سنوات على إعادة خيال الظل إلى الحياة. وبهذا المهرجان التراثي وفي الهيئة العربية للمسرح اللذين تحتضنهما الشارقة برز مسمى العرائس وخيال الظل".

 

لكن تظل مسألة مخاطبة الطفل من خلال فن العرائس والدمى أمرًا معقدًا في ظل التطور -رغم انجذاب الصغار- فالتكرار أصبح سيد الموقف، كما أمسى الطفل أكثر حدة وجدلية مع توفر الإنترنت والتكنولوجيا وتعامله معها بشكل يومي. فالطفل الذي يمثل جيل الغد إن لم نمتلك أمامه المصداقية من خلال وسيلة الإقناع المتمثلة بالأداء الجيد والصادق بالدمى سينفر أكيد.

من هذا المنطلق، فإن رهان فن العرائس والدمى يتمثل في كيفية احتواء الطفل من أجل أن تبقى تلك الدمى جزءًا حيًا في حاضرنا لا موروثًا من الماضي.

تعليقات